الشارقة: يوسف أبولوز
عرف القارئ العربي خالد محمد خالد (1920- 1996) من شهرة كتابه «رجال حول الرسول» الصادر في القاهرة في العام 1968 وتحدّث فيه عن ستين شخصية إسلامية تشكّل ما يشبه الدائرة الثقافية والمعرفية والقيادية، إن جازت العبارة، حول النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ليواصل صاحب «مواطنون.. لا رعايا» طريقه الفكري والبحثي والاستقصائي في الدين والثقافة بأسلوب جاذب للقراءة.
لعل أسلوب خالد محمد خالد اللغوي، والسردي والبحثي، إلى جانب الروح الإسلامية التسامحية المرنة التي تحلى بها هو ما وَسّع من نطاق شعبية هذا الكاتب المفكر الذي تقرأ كتبه حتى اليوم من جانب مستويات قرائية عديدة.
رأيت أن أضع هذه العتبة التمهيدية لقراءة خالد محمد خالد الذي يبهّر لغته وفكره بشيء من لغة الأدب في كتابه «إنسانيات محمد»، وفي الكتاب قراءة فكرية هادئة لمواقف النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، من قيم راكزة في تربيتنا وثقافتنا الإسلامية: الرحمة، والعدل، والحب، والسموّ، ومعاملة الناس الحسنة والأخلاقية. ولكن، لماذا اختار المؤلف هنا «صفة الإنسان»؟ وماذا أراد من وراء صفة «الإنسان»؟ يقول خالد محمد خالد: «إنما أريد بصفة الإنسان هنا التنبيه إلى أنني أركّز الحديث على الطابع البشري المحض الذي يشترك فيه محمد مع غيره من الناس، والذي تفوّق فيه على مَنْ سواه من الناس».
انبهار
آثَرَ المؤلف الاستشهاد بأحاديث الرسول وتصرّفاته، «لأنها أدل على إنسانية صاحبها»، كما يقول، ونلاحظ انبهار المفكر بشخصية الرسول وسلوكها الأخلاقي الإنساني، فيرى محمد الإنسان الذي «يكتب لملوك الأرض، طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل.. ثم يصغي في حفاوة ورضا لأعرابي حافي القدمين يقول في جهالة: أعْدِل يا محمد، فليس المال مالك ولا مال أبيك»، ويرى المؤلف في شخصية محمد الإنسان «الذي وقف أمامه، صاغرين، جميع الذين شنّوا عليه الحرب والبغضاء، وَمَثّلوا بجثمان عمّه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، فيقول لهم: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء».
يتوزّع كتاب «إنسانيات محمد» على فصول خمسة هي ما أراده المؤلف أن تشكل هذه الإنسانيات التي تتجاوز المكان والزمن لتعيش في الذاكرة والخلود، وعلى طريقته الجاذبة ربط القيم الإنسانية لنبينا محمد بسلوكه، فالرحمة مهجته، والعدل شريعته، والحب فطرته، والسموّ حرفته، ومشاكل الناس عبادته.
الرحمة التي تحلى بها النبي لها جذور نفسية، مثلما يرى خالد محمد خالد، تتلخّص في يتم النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقول المؤلف: «أي سرّ في اليتم حتى يختاره الله لأعظم حامِلَيْن لكلمته، مُبَلّغَيْن لرسالته: المسيح ومحمد، أجل فالمسيح أيضاً كان يتيماً وحين جاء إلى الدنيا لم يجد له أباً؛ بل لقد أنبئ أنه لم يكن له أب على الإطلاق».
قيم
يرجع خالد محمد خالد إنسانيات محمد إلى أحاديثه، ففي الرحمة يقول صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم مَنْ في السماء».
إن الأحاديث النبوية المتصلة بالرحمة عند النبي محمد، وإلى جانب مواقفه التي تتسم بهذه القيمة الخشوعية جعلت المؤلف يسترسل طويلاً في هذا الفصل، فصل الرحمة، ويحشد له الكثير من الخطابات النبوية الشريفة.
في قيمة العدل، التي هي شريعة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول خالد إن محمداً حطم كل معالم التمايز بين الناس «وحين دخل عليه رجل غريب، يختلج؛ بل يرتجف من هيبته، استدناه، وَرَبتَ على كتفه في حنان وَفَرْط تواضع، وقال له عبارته المشهورة: «هوّن عليك، فإن أمّي كانت تأكل القديد بمكة».
الحب فطرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمحبة أو الحب سرّ التفوّق في الدين والخلق والسلوك. يقول المؤلف: «هذا هو سرّ تفوّق محمد صلى الله عليه وسلم. إنه أحب عظائم الأمور، ومارسها في شغف عظيم، ممارسة محب مفطور، لا ممارسة مُكَلّف مأمور».
والسمو «حرفة» النبي محمد، كما يرى خالد محمد خالد، وكالعادة، يبني استنتاجه هذا على أحاديث ومواقف. «يُروى عنه وهو طفل صغير أن بعض رفاقه وأترابه جَدّوا في البحث عنه طويلاً - ذات يوم حتى وجدوه بعد طول عناء جالساً في ظل حائط عند أطراف مكة، وهمّوا به ليأخذوه معهم إلى سامر فيه زمر، وطبل، ولهو، فهزّ الطفل الصغير رأسه معتذراً وقال: «أنا لم أخلق لهذا»».
يسأل الرسول عليه السلام سائل: يا رسول الله: أيّ الناس أحبّ إلى الله؟ فيجيب عليه السلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». بهذا الموقف وبهذا الحديث يدلّل المؤلف على اقتراب رسولنا من الناس ومن يومياتهم وحياتهم كإنسان، وكبشر أرسى ديانة، وأسّس لدولة، وبنى أخلاقيات وإنسانيات هي دستور ونظام البشر.