معركة شرقي أوكرانيا

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

حماية جمهوريتي لوغانتسك ودونتسك الانفصاليتين في حوض الدونباس، كانت ولا تزال، على رأس أولويات موسكو حتى قبل بدء العملية الروسية في أوكرانيا في 24 فبراير/ شباط الماضي، وإن تأجلت معركتهما الفاصلة بعض الشيء، غير أن تطورات الأحداث عادت لتفرض السيطرة على الشرق الأوكراني كهدف مباشر في ظل التكتيكات الروسية الجديدة، وفي ظل اقتناع موسكو بأن تحقيق الأهداف الأخرى سيستغرق وقتاً أطول.
 الإعلان الروسي عن انتهاء المرحلة الأولى من عملياتها العسكرية في أوكرانيا، لا يعني تغيير في الاستراتيجية بقدر ما يتعلق بالتكتيكات، حيث لم تتردد موسكو في الإعلان أن هدفها المقبل هو السيطرة على الشرق الأوكراني وبالتالي ربطه بالجنوب وصولاً إلى منطقة القرم. إذ يبدو أن روسيا استنتجت، خلال المرحلة الأولى، أنها كانت في غنى عن محاصرة المدن الكبرى أو اقتحامها، ليس فقط بسبب كلفتها الباهظة وإنما لأنها أدركت أن الغرب يسعى لاستدراج قواتها إلى المدن الكبرى ودفعها لخوض حرب شوارع، وبالتالي استنزاف القوات الروسية مع تكثيف الغرب مساعداته العسكرية لأوكرانيا. 
 ومع ذلك، فقد تم خلال المرحلة الأولى إضعاف القوات الأوكرانية إلى حد كبير، رغم البروباغندا الإعلامية الغربية، والتغطية العمياء التي تقدمها لتبرير عجز الغرب عن مواجهة روسيا واستعداده لمقاتلة الروس بالأوكرانيين حتى آخرهم، بينما هو يعتقد أنه يؤدي دوره في إمدادهم بالسلاح بعد أن تحولوا إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا. كما أدركت روسيا أن هناك الكثير من الأخطاء التي ارتكبت خلال المرحلة الأولى، وأنها قادرة على تحقيق مبتغاها بأقل الخسائر الممكنة، ومن هنا يبدو أن موسكو أعادت تقييمها للوضع الميداني برمته، وأجرت تغييرات في هرم القيادة العسكرية التي تدير العملية في أوكرانيا، كما أعادت تموضع القوات الروسية بما يتناسب مع تحقيق الأهداف المرسومة، وليس صحيحاً ما يقال إن القوات الروسية انسحبت بالكامل من شمال أوكرانيا ومحيط كييف، فما حدث هو تقليص لحجم القوات وإعادة تموضعها في مناطق أكثر تحصيناً بعيداً عن المناطق المدنية، إلا إذا صدّقنا الرواية الغربية، التي لا تدعيها حتى كييف، بأن القوات الأوكرانية تمكنت بالقوة من تحرير شمال البلاد، من دون أن تتواضع وتقول أن القوات الأوكرانية دخلت المناطق التي انسحبت منها القوات الروسية.
 في كل الأحوال، تبدو الأهداف الروسية الآن أكثر وضوحاً، فمعركة السيطرة على الشرق الأوكراني قد تندلع في أية لحظة، لتأمين حماية جمهوريتي لوغانتسك ودونتسك الانفصاليتين، لكن ذلك لا يعني تراجع الأهداف الأخرى، ومن ضمنها حياد أوكرانيا ونزع سلاحها، وإنما يعزز فرص تحقيق هذه الأهداف، لأن من شأن ذلك أن يقوي الأوراق التفاوضية لموسكو، ويقود إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو إرغام «الناتو» والغرب عموماً ليس فقط على تقديم الضمانات الأمنية التي كان يترفع عنها حتى وقت قريب إلى موسكو، وإنما إعادة صياغة الأمن الأوروبي على أسس جديدة، بل إعادة صياغة النظام الدولي القائم حالياً على أسس جديدة أيضاً.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"