يؤكد د.جمال رجب سيدبي، نائب رئيس جامعة قناة السويس المصرية الأسبق، أن التوعية بمفهوم المواطنة من أهم جوانب استقرار الأمم والمجتمعات، وأنه لذلك ينبغي ترسيخ هذا المفهوم لدى الأجيال الجديدة، لأن المواطنة من أهم القضايا التي تسهم في بناء الدول. ويوضح أن من أبسط التعريفات للمواطنة أنها علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، بكل ما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات، وأن الجميع في هذا الوطن على قدم المساواة، وذلك بغض النظر عن اختلاف الدين أو الجنس أو اللون أو العرق.
يقول سيدبي: مفهوم المواطنة يترتب عليه الكثير من المفاهيم الأخرى التي تتعلق باستقرار الدولة، وكل ذلك يتطلب توعية شاملة ومستمرة بهذه المحاور التي تدعم بناء الوعي وتؤدي في النهاية إلى استقرار الوطن، ولذلك يجب ترسيخ مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع جميعاً، وأنهم أمام القانون سواء، والتأكيد على حقيقة الوحدة الوطنية في الدولة مهما تكن العقائد والأيديولوجيات والأفكار، فالمواطنة قادرة على حل المشكلات الخلافية بين أفراد المجتمع كافة بلا إقصاء أو تهميش، وذلك من خلال إعلاء المصلحة العليا للوطن فوق المصالح الفردية والخاصة.
ويضيف: الشريعة الإسلامية ارتكزت على عدة مبادئ واضحة لتعميق مفهوم المواطنة، منها ما يلي: أن الإنسان له قدر عظيم من المكانة والتكريم بوصفه إنساناً وبصرف النظر عما يعتقد، والحق سبحانه وتعالى يقول: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» الآية (70) سورة الإسراء، وأن علاقة الإنسان بغيره إنما تقوم على أساس العدل والمساواة بلا تفرقة، والله تعالى يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» الآية (13) سورة الحجرات، وأن العدل واحترام خصوصية الآخر وحقوقه من أهم القيم التي يتأسس عليها مبدأ المواطنة، والتي تؤدي إلى تحقيقها بالفعل، والحق يقول: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» الآية (8) سورة الممتحنة، وكل هذه النصوص الواردة في القرآن الكريم تؤكد أن ترسيخ مبدأ المواطنة في المجتمع ضرورة شرعية ووطنية، لأنها تؤدي إلى رفعة الوطن، والحفاظ على الأوطان يعد من تعاليم الشريعة الإسلامية.
ويوضح أن النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، أكد في وثيقة المدينة المفاهيم الإسلامية المعتدلة التي تؤسس لمفهوم المواطنة للجميع، على أساس العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع، وهذا ما تؤكده الدساتير المعاصرة، وفي هذه الوثيقة يظهر ولأول مرة في التاريخ مفهوم الأمة الواحدة؛ إذ انتقل المجتمع من شعار القبيلة والعصبية والجاهلية، وانضوى تحت لواء الأمة الواحدة كل من عاش في دولة المدينة، كما أكدت الوثيقة المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات على الرغم من التنوع. ويرى سيدبي، أنه بهذا المنطق أسست وثيقة المدينة لحقوق غير المسلمين على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى بلغة الفكر السياسي المعاصر، كما أسست لمفهوم الانتماء والولاء للوطن، وأن الجميع مطالبون بحق الدفاع عنه، وهذا المبدأ العام من المبادئ المهمة التي تعمق مفهوم الانتماء والولاء للوطن. ويعتبر وثيقة المدينة أول دستور سياسي في التاريخ يعطي للناس حرية العقيدة، والأمن الاجتماعي والنفسي.
ويشدد على ضرورة التوعية بمبدأ المواطنة وإعلاء المشتركات الإنسانية والوطنية بين أبناء الوطن جميعاً، لأن ذلك ضمانة لاستقرار المجتمع، مطالباً الجهات المكلفة بنشر الوعي بأداء هذه الرسالة على أكمل وجه، بهدف أن تكون مصلحة الوطن والالتزام بالحقوق والواجبات هي الضوابط التي تحكم وتحدد العلاقة بين أبناء الوطن الواحد.
ويشير سيدبي، إلى الاتفاق بين مفهومي المواطنة في المنظور الإسلامي وفي الفكر الحديث، مؤكداً أن استقرار الدولة المدنية يتحقق من خلال ترسيخ مفهوم المواطنة، لأن من أهدافها تحقيق المصلحة العليا للمواطن، وضمان الولاء والانتماء للدولة من كل مواطنيها، والعدل والإنصاف بينهم أمام القانون والوظائف العامة، وكذلك المشاركة في كل المسؤوليات على قدم المساواة.