لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]
تجسدت صفة الوفاء في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع الصديق والعدو، على حد سواء، حتى أن المتأمل في كتب السيرة النبوية والحديث الشريف يتعجب من المواقف التي التزم فيها رسول الله بالعهود مع الآخر/ أعدائه من الكفار والمشركين، لدرجة لا يحتملها بشر. وهذا أبو سفيان بن حرب بن أمية، أحد سادات قريش، يشهد عند هرقل ملك الروم بأن رسول الله كان داعياً إلى الوفاء وحفظ العهود؛ أخرج البخاري ومسلم في صحيحيْهما عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتُك: بماذا يأمركم؟ فزعمتَ أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي.
وهذا مكرز بن حفص، أحد كفار قريش، يقول في شهادته لرسول الله: «ما عُرِفتَ بالغدر صغيراً ولا كبيراً، بل عُرِفتَ بالبر والوفا».
وكانت أهم وصاياه،صلى الله عليه وسلم، لقادة جيوشه في غزواتهم، قوله: «ولا تغدِروا»؛ فعن سليمان بن بريدة قال: كان رسول الله إذا بعث أميراً على جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً فقال: «اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً».
كما أنه، صلى الله عليه وسلم، وصف مَن لا يفي بوعده، وينقض عهده، بأنه منافق، فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وقال أيضاً: «أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصَم فجر».
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «ما نقض قوم العهد إلا سُلِّط عليهم عدوهم». وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
إن كتب السيرة النبوية الشريفة زاخرة بالمواقف والقصص التي تشهد أن وفاء رسول الله،صلى الله عليه وسلم، كان صفة أصيلة فيه، لا يدانيه فيها أحد من العالمين، حتى أن أعداءه أنفسهم لم يستطيعوا أن يكذبوا عليه في هذه الصفة، ولا غيرها من الصفات التي لم تجتمع في أحد سواه.
ومن الأمثلة التي ساقتها كتب السيرة الشريفة، ما كان من وفائه، صلى الله عليه وسلم، في صلح الحديبية، حيث كان ملتزماً بالشروط وفيّاً مع قريش، فعن أنس رضي الله عنه أن قريشاً صالحوا النبي، فقال صلى الله عليه وسلم لعليٍّ بن أبي طالب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله، قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك، واسم أبيك، فقال النبي: اكتب من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي، أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منّا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا، قال نعم، إنه من ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
وبعد الانتهاء من كتابة وثيقة صلح الحديبية بين النبي والمشركين، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، رضي الله عنه، وهو في قيوده هارباً من المشركين في مكة، فقام إليه أبوه فضربه في وجهه، وقال: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فأعاده النبي للمشركين، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أَأُرَدّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال له النبي :إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهداً، وإنا لا نغدر بهم، ثم طمأنه وبشره قائلاً:يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجاً ومخرجاً.
ومن ذلك أيضاً ما فعله، صلى الله عليه وسلم، مع أبي بصير حين جاءه مسلماً؛ فأرسلوا (كفار قريش) في طلبه رجليْن، فقالوا: العهد الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرجلين؛ وفاء منه بما عاهدهم عليه.
وروي أنه بعد هجرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، خرج حذيفة ووالده اليمان، وهما من الأنصار، لبعض شأنهما، فوقعا أسيريْن لدى قريش، وقالت قريش لليمان ولحذيفة: آويتم الصباء عندكم (يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه)، فنحن نأخذكم، ففاوضهم اليمان وحذيفة على أن يطلقوا سراحهما مقابل أن يعاهدا قريشاً ألا يحاربا مع النبي ضدهم إذا خرجوا إليهم، فوافقت قريش وعاهدتهما على ذلك، فرجعا إلى المدينة، وصار بين حذيفة بن اليمان وأبيه اليمان عهد مع قريش على عدم الحرب حتى مع النبي.
وحدث بعد أشهر أن خرج النبي وأصحابه يرصدون عيراً لقريش، فجمع الله بهم مع قريش في أرض بدر، فلما اقتربت المعركة أخبر اليمان وابنه حذيفة رسول الله بعهدهما مع قريش، فقال لهما الرسول صلى الله عليه وسلم: نفي لكما بعهدكما ونستعين الله عليهم، فارجعا.