المفكر والخبير

00:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.يوسف الحسن

يتأثر مجرى التاريخ الإنساني بفعل عوامل عدة، أهمها ثلاثة أعمدة، الكشوف العلمية والتكنولوجية، والنظم الاقتصادية السائدة، والأفكار التي تطرح فلسفة اجتماعية وسياسية وقيمية وتنظيمية.

ما يعنينا هنا في هذا المقال، هو الفكر، بمعنى إعمال العقل في شؤون الحياة والأشياء، للوصول إلى معرفتها، وطرح رؤى جديدة، وتوليد للأسئلة، وإنتاج للبدائل في التفكير والتدبير، وبما يغير وجه الحياة إلى الأفضل.

وعادة ما يرتبط الفكر، كمحتوى ومضمون، بخصوصية المحيط الثقافي والاجتماعي والجغرافي والتاريخي ومورثه الثقافي، وبصمات واقعه الحضاري الذي تشكل فيه ومن خلاله.

ويمكن القول إن الإنسان هو «حيوان مفكر» اقتداء بالقول الشهير لديكارت «أنا أفكر.. إذاً أنا موجود»، ولأن الفكر، كأداة مرتبطة بأنشطة ذهنية، تصنعه ثقافة لها خصوصيتها ونظامها المعرفي، في فترة زمنية معينة، فإن الإفريقي مثلاً في جنوب الصحراء، يفكر بطريقة غير فلسفية، متجذرة في أمثال وأساطير وآداب شعبية، ويمكن تسميتها بالفكر الحسي أو العقل العاطفي الحسي؛ حيث يقول الفرد «أنا أشعر وأعبّر بالرقص.. إذاً أنا موجود».

يتطور الفكر باستمرار، وبعض الأفكار تعيش وتتداخل في الأزمنة وقد يعيش القديم منها مع الجديد، داخل فكر الفرد.

نستحضر فلاسفة ومفكرين كباراً لم يحصروا فكرهم في بنية معرفية مغلقة، وأبدعوا في قدرتهم على توليد الأسئلة وتخليق الحوار، والاستجابة لتحديات عصرهم ولدينامياته، وأدخلوا شعوبهم حركة التاريخ.

لنأخذ مثلاً، مصطلح «شعب»، الذي كان يعني في الأصل مجموعة قبائل مرتبطة بروابط مشتركة، كما كان يعني أحياناً، العامة، الدهماء، الغوغاء، لكن مفكراً فرنسياً هو جان جاك روسو بلور معنى جديداً لكلمة «الشعب»، ككيان جماعي وفاعل سياسي واجتماعي ومصدر سلطات.

مفكرون آخرون ركزوا على مشكلة الإنسان وكيف ينبغي أن يحيا، وعلاقته بالسلطة وبالمجتمع.

اذكر أن مفكراً، ولعله كانط، قدم مشروعاً فكرياً من أجل السلام العالمي، وبعد سنوات تحولت هذه الفكرة إلى مؤسسة دولية حملت اسم «منظمة عصبة الأمم»، ثم تطورت بعد الحرب العالمية الثانية إلى «هيئة الأمم المتحدة».

في حياتنا المعاصرة، برز مفكرون عرب، من أمثال: محمد عابد الجابري، وعبدالله العروي، وغيرهما، وطرحوا الكثير من الأسئلة الفكرية المسكوت عنها، ولم يلتفتوا كثيراً للسياسة، والتي شغلت فكر آخرين من المثقفين والكتاب والذين اهتجسوا بالسياسة وحدها، ولم يصنعوا أو يُوِّلدوا مشروعاً فكرياً متماسكاً.

اذكر أن أطروحة الدكتوراه للصديق المفكر محمد جابر الأنصاري، والتي قدمها في عام 1979 في الجامعة الأمريكية ببيروت، لم تُنشر إلا بعد نحو عقدين، بسبب قلق الأنصاري، من ردود فعل محتملة، على موضوعات أثارها في أطروحته مثل: «كيف استوعبت الحضارة الإسلامية ثقافات الشرق، مسيحية وسريانية وإغريقية وفارسية وهندية..الخ وخلقت منها حضارة توفيقية ابتعدت عن ثقافة الصراع، ومن أجل ذلك فإنها لم تنتج الدراما الأدبية، ولا أدب الاعترافات على الطريقة المسيحية، وشدد في أطروحته على الموقف الوسطي، الذي يستوعب العلماني والليبرالي والأصولي الديني. وهكذا كان خطابه سياسة خالصة، ربما بسبب انخراطه في مناصب سياسية وإعلامية حساسة.

من هنا، نحتاج إلى تأمل علاقة المفكر بالسلطة أو بالسياسة، وكيف يتم التفاعل معاً، في علاقة دائرية، يصعب معرفة بداية الحركة فيها، فتارة يكون المفكر تابعاً للسلطة، شارحاً لها، مبرراً فلسفتها أو ممارساتها، وتارة أخرى تكون السلطة مستجيبة للفكر الذي يطرحه المفكر.

سألني صديق ذات يوم: هل لدينا مفكرون؟ وما هو إنتاجهم الفكري؟ المفكر مثقف، لكن ليس كل مثقف هو مفكراً،يطرب بعضنا لو أطلقنا عليه اسم مفكر، لكن معظمنا مهتمون بالسياسة، وبالحوادث والوقائع العامة والمواقف السياسية، والسياسة هنا كموضوع، وليس كرؤية مؤسسة على خطاب فكري متسق نظرياً، وبمعنى إدارة الشأن العام في إطار مشروع فكري متماسك.

يلح صديقي في تساؤله حول المفكر المبدع، وتأثيره المجتمعي، وقيمته المعرفية، وعن أفكار ولّدها، لتفادي أزمة قبل وقوعها، في حين أن الخبير هو الذي يقترح حلولاً بعد وقوع الأزمة، ويضيف قائلاً: «إن المشكلة في معظم مجتمعاتنا العربية تكمن في أننا نتجاهل المفكر بالأمس، ثم نسعى للخبير اليوم، بعد وقوع الأزمة».

سكت صاحبي عن «السؤال المباح»، ولاحت في خاطري حكاية الفلاح المصري، وهو يقف أمام ساقيته، وقد علَّق جرساً في رقبة الحمار، وهو يدور حول الساقية، وقد مر به أمير أو عمدة البلدة ذات يوم، فسأله عن الحكمة في تعليق جرس في رقبة الحمار، فأجابه الفلاح: «إذا توقف الجرس، يعني أن الحمار توقف عن الدوران في الساقية، فقال له الأمير: ماذا لو توقف الحمار عن الدوران، وظل يحرك رأسه؟ ضحك الفلاح وقال: «من أين لي بحمار له عقل الأمير؟».

 المفكر أولاً، أم الخبير؟ هذا هو السؤال في هذا الزمان.

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"