القاهرة: «الخليج»
تعتبر الرقابة من بين الظواهر المثيرة للجدل على مر التاريخ البشري، لما واكبها من سجال فكري وقانوني وأدبي، بين السلطتين الدينية والسياسية من جهة، وعموم المثقفين والمبدعين من جهة أخرى، حول حدود العقل ووظيفته الإبداعية في البنية الاجتماعية والثقافية، ولم يقتصر الجدل الذي احتدم حول الرقابة على مجتمع أو ثقافة بذاتها، بل امتد إلى عموم المجتمعات والثقافات الإنسانية المتعاقبة عبر التاريخ.

يرى سالم الفائدة في كتابه «الثقافة والرقابة.. دراسة تاريخية معرفية» أنها ظاهرة تتسم بطابعها الإشكالي، فهي ترتبط في مضمونها بمجالات ومكونات مختلفة، ما جعل منها موضوعاً ملتبساً متعدداً ومتغيراً، يخضع في طبيعته لعوامل الزمان والمكان والسياق المعرفي والتاريخي، ولعل الالتباس الذي يلفها، نابع من طبيعة ارتباطها الوثيق بإشكالية تاريخية لايزال الجدل حولها محتدماً، وهي قضية السلطة والمعرفة أو علاقة المثقف بالسلطة، المثقف الذي شكل على مدى تاريخ طويل هاجساً حقيقياً للرقباء، ذلك أنه يروض حيناً ويتمرد حيناً آخر، لتتشكل مع الزمن آلة الرقابة بكافة وجوهها وطقوسها وأدواتها، وسيلة للاحتواء والتطويع ومطية للإبعاد والحصار، للقضاء على خطره المحتمل أو الفعلي، مما خلف صراعاً تاريخياً متواصلاً بين السلطة والمعرفة، يشتد ويضعف تبعاً للسياقات الثقافية لكل عصر وأمة، ومثلما كانت السلطة تمارس نفوذها عبر آليات الرقابة وإجراءاتها، كان المثقف يمارس نفوذه عبر الكلمات والنصوص والأفكار.

عوالم

يشير الكتاب إلى أن فهم عوالم وأسباب ظاهرة الرقابة في الثقافة العربية، يقتضي البحث والتنقيب في أهم النصوص والحوادث الرقابية عبر التاريخ، إذ لا سبيل إلى إدراك كنهها وحقيقتها من دون الغوص في ثنايا كتب تاريخ الأدب والفكر التي تضع الباحث عند جذور الظاهرة في التربة الثقافية والمعرفية العربية، قصد الاطلاع على المرتكزات التي جعلت الرقيب يمارس رقابته على النصوص والعقول.

يوضح الكتاب أن الهدف من تلك الدراسة تشكيل صورة بانورامية عن الظاهرة، من خلال تمظهراتها في التجربة الأدبية والفكرية العربية، شعراً وفكراً وسرداً، عبر عصور الثقافة العربية، بدءاً بإرهاصات الرقابة خلال العصر الجاهلي ومروراً بأهم المحطات التاريخية اللاحقة، وذلك بغاية البحث عن الأسباب والسياقات والظروف المؤثرة في الظاهرة. لقد اتخذت ظاهرة الرقابة عبر تاريخ الفكر والأدب العربيين صوراً متعددة تبعا لكل مرحلة تاريخية – كما يشير الكتاب – هذا ما تؤكده قراءة التجربة التاريخية للأدب عبر عصوره الزاهية والمظلمة، إذ إن مسلسل الرقابة على الشعراء والأدباء قد تمت مباشرة حلقاته المبكرة منذ اللحظات الشعرية الأولى في «العصر الجاهلي» عندما اقتحم الخطاب الشعري مجال الصراع السياسي.

معاصرة

يتناول الكتاب أيضاً التجربة الرقابية التي عرفها القرن العشرون، في السياقين الغربي والعربي، وما آلت إليه الرقابة تاريخياً، خاصة تلك التي استهدفت الأدب والسرد على وجه التحديد، في ظل ما عرفته الدول المعاصرة من تطورات في بنياتها ومقوماتها وأساليب رقابتها.

يؤكد الكتاب أنه على الرغم من التطورات التي شهدتها النظم السياسية والثقافية في الغرب بعد الثورة الفرنسية، وما تحقق بعدها من حقوق للإنسان والمواطن في مختلف أرجاء أوروبا، ظلت الرقابة مستمرة عبر الأنظمة والقوانين والتشريعات المنظمة لحرية الصحافة والرأي والتعبير، بمبررات مختلفة تتصل بالخلقي والسياسي والاجتماعي.

منع الكتب

استمر منع الكتب في أوروبا بعد نهاية عصر الأنوار، ففي فرنسا ولأسباب مختلفة، منع مراقبو الإمبراطورية الثانية بين سنتي 1870 و1914 مجموعة من الكتب لأسباب سياسية وخلقية منها «أزهار الشر» وحكم على أحد أصدقاء زولا بالسجن شهراً بسبب روايته «حول قبة الجرس»، وفي النصف الأول من القرن العشرين استمر الجدل والصراع بين دعاة حرية التعبير والسلطة السياسية، صراع خضع للسياقات العامة ولتقلبات الأحوال السياسية والاجتماعية، وفي هذه المرحلة عاشت أوروبا الحربين العالميتين الأولى والثانية ما يعني أن ظروف الحرب وتداعياتها أسهمت بشكل مباشر في التضييق على الحريات العامة.