الغارقون في وحل الأفكار الهدَّامة

00:30 صباحا
قراءة دقيقتين

صبيحة ذات يوم أصدرت الصحف العالمية خبراً حول انتحار رئيس وزراء فرنسا في عهد الرئيس ميتران، ونُسب السبب حسب ما جاء فيها إلى غارة من النقد والتجريح والشتم شنَّتها بعض الصحف الفرنسية عليه، فما استطاع الرجل احتمال ذلك، وظل منهمكاً في تفكير هدَّام إلى أن قرَّر الانتحار!
إن استغراق المرء بشكل مبالغ فيه في حالة تفكير مستمر في مشكلة ما يخلق عنده توتراً شديداً وقلقاً ينتاب روحه ويولد لديه اضطراباً حاداً يُسفر عن نتائج وخيمة كلما غاص أكثر في دائرة التفكير الهدَّام والتوقعات السلبية تجاه حاضر حياته ومستقبله.
ونلحظ على صعيد العمل بعض الموظفين وحتى المديرين الذين يغرقون أنفسهم في تفكير متواصل في المشاكل والمعضلات التي تعترضهم، ما يخلق لديهم حالة قلق واضطراب شديد يلقي بظلاله على قدرتهم في الوفاء بمستلزمات وظائفهم والقيام بمهامهم اليومية على أكمل وجه، بل قد يمتدُّ أثر ذلك ليصبح حالة نفسية يفقد على إثرها الموظف أو المدير القدرة على اتخاذ القرارات والتركيز على عمله ليغرق في دوامة لا تنتهي من الأفكار السلبية التي تأخذه بعيداً عن الواقع، فينسحب من الحياة الوظيفية وحتى الاجتماعية والأسرية وينزوي في ركنه الخاص وكأن بينه وبين الآخرين جدار عازل يحول بينهما.
ذات مرة رفع محاضر كأساً من الماء وسأل طلابه: كم وزن هذه الكأس من الماء؟
تراوحت الإجابات بين 20غ إلى 500غ.
فقال المحاضر: ليس لوزن الكأس أهمية، لأن الوزن يعتمد على المدة التي أبقى فيها ممسكاً بالكأس. فلو قمت برفعه حوالي دقيقة لن يحدث أي شيء، ولو قمت بحمله لمدة ساعة فعندها سأشعر بألم في يدي، لكن إذا حملته مدة يوم كامل فستستدعون لي سيارة إسعاف!
ثم أتبع قائلاً: للكأس الوزن ذاته تماماً، غير أنه كلما طالت مدة حملي لها ازداد وزنها، فلو حملنا أعباء حياتنا ومشكلاتنا في كل الأوقات وانغمسنا في تفكير مستمر فسيأتي وقت لن نتمكن فيه من المواصلة، لأن تلك الأعباء والمشاكل سيزداد ثقلها، ولهذا ينبغي أن نضع الكأس لنرتاح قليلاً قبل أن نرفعها مرة ثانية وثالثة.
وكذلك الحال في عالم الأعمال، عليك ألا تحمل مشاكلك طيلة الوقت فتنسحب من المحيط الخارجي متقوقعاً على ذاتك وأفكارك الداخلية ومخاوفك وقلقك الكامن، بل يمكنك العمل على تحليل الأخطاء التي وقعت في الماضي والاستفادة من دروسها ثم الانطلاق إلى الأمام دون تراجع مع نسيانها نسياناً تاماً.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"