مراجعات في حرية الصحافة

01:21 صباحا
قراءة 4 دقائق

«حان الوقت لضرب الصحفيين بالأحذية»! كان ذلك تعبيراً منفلتاً على لسان قيادات نافذة في نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ترددت أصداؤه بالفعل ورد الفعل في أكتوبر (2007).
 بدت تلك العبارة بحمولتها المسمومة تدنياً خطيراً في لغة الحوار وكاشفة بالوقت نفسه عن أزمات معلنة ومكتومة توشك أن تنفجر.
 «عصبية النظام وميله إلى العنف والتلويح به في مواجهة حرية الصحافة تعبير عن أزمة استنفاد شرعيته وزمانه، وأنه بات عبئاً ثقيلاً على ضرورات التغيير الديمقراطي الواسع، فالنظم الواثقة من نفسها ومن شعبها تحاور وتبحث عن قواعد مشتركة يمكن القبول بها، لا أن تهدد برفع الأحذية والضرب بها».. كما كتبت وقتها على صفحات جريدة «العربي».
 لسنوات طويلة بدا نظام مبارك مستعداً لدفع فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد أنها تساعد على تحسين صورة النظام وتخفف الضغوط الدولية عليه.
 لمرات عديدة اصطحب مسؤولون كبار في زياراتهم للولايات المتحدة، من بينهم جمال مبارك نجل الرئيس، نسخاً من صحف المعارضة ليثبتوا بها اتساع هامش الحريات الصحفية، وإن كل شيء قابل للنقد بما في ذلك رئيس الجمهورية.
 سرى اعتقاد واسع في أوساط السلطة أن النظام هو أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية، بظن أنها محدودة في صحف بعينها، وأن الصحافة القومية يمكن أن تضبط الإيقاع، غير أن تلك الصورة تبددت، فالصحافة القومية بدت وقتها كأفيال تذهب إلى مقابرها، العوالم اختلفت مع ثورة المعلومات، واحتياجات المجتمع توسعت وتعقدت، ولم يعد ممكناً السيطرة عليها بالطرق التقليدية.
 في خريف (2010) تأكدت المخاوف من أننا أمام انقضاض واسع محتمل على هامش الحريات الصحفية والإعلامية في مصر، فرغت منابر صحفية من أدوارها المعارضة بصفقات رجال أعمال وأغلقت منصات فضائية.
 كان ذلك تطوراً خطيراً افتقد الحد الأدنى من الرشد السياسي.. فالحريات الصحفية والإعلامية ضمانة عامة تحصن المجتمع ضد العنف والانخراط فيه، وتعطيه أملاً في التغيير السلمي الآمن.
 الحوار – مهما كان صاخباً وحاداً – فإنه يجري بالعلن، لغته التغيير السلمي وقضيته الإصلاح السياسي والدستوري، ومادته قضايا الناس الحياتية.
 عندما تقلصت الحريات الصحفية بعض الشيء بقبضة السلطة، غامت الرؤية في البلد، وبدأت السيناريوهات الأخرى تتفاعل في المجهول. وتجاورت فكرتان متناقضتان على نحو مربك في أروقة السلطة العليا.
الأولى، تعتقد أن نظام الحكم المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية، وأن الهامش الواسع من الحرية العرفية مكّنه من كسب الرهان على البقاء لسنوات إضافية.
والثانية، ترجع أزمات النظام المستحكمة إلى الإعلام، لا السياسة.
 بصياغة واضحة قال وزير الإعلام «أنس الفقي»: «نظام الحكم هو المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية».. لكنه في أوقات لاحقة عبّر عن الفكرة العكسية بصراحة مماثلة عندما تبني مشروعات تقيّد الحريات الفضائية العربية، كأن المشكلة في الإعلام لا في السياسة نفسها.
 قرب نهاية نظام مبارك قال الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار الأسبق في جلسة ودية ضمتنا بأحد فنادق القاهرة: «مشكلتنا في الإعلام».. عندما علت الدهشة الوجوه أخذ يشرح فكرته بقدر من التوسع.. فالإعلام الرسمي مقصّر، والإعلام المعارض والخاص أكثر تأثيراً، وأنه إذا توافرت الكفاءات المهنية في الصحف القومية فإن الصورة يمكن أن تتغير، والرأي العام يمكن أن يقتنع.
 قلت: «هناك قاعدة إعلامية تقول: أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع».. لكنه لم يكن مقتنعاً بأن السياسة المصرية غير مقنعة!
 ما بين الفكرتين تناقضت المواقف وارتبكت السياسات. في الفكرة الأولى، بدا وزير الإعلام متأثراً بما شاع وقتها في دوائر السلطة العليا من أن الحرية النسبية في تداول المعلومات والأفكار والآراء عبر المنابر الإعلامية المختلفة أدت إلى إفساح شيء من الأمل في الإصلاح السياسي والدستوري والانتقال السلمي للسلطة، واستبعاد أية احتمالات وسيناريوهات تتبنى الوسائل العنيفة في التغيير.
 هذه الفكرة أفضت إلى تبني بعض التوجهات الإعلامية الجديدة، من بينها اتجاه المجلس الأعلى للصحافة برئاسة صفوت الشريف للموافقة على كل إصدارات الصحف الجديدة التي عرضت عليه وفق القانون، واتجاه وزير الإعلام نفسه لمنافسة الفضائيات الخاصة بأساليبها، وتوسيع هامش الحرية في برامج التلفزيون المصري بصورة محدودة لكنها ملموسة.
 وفي الفكرة الثانية، بدا الوزير نفسه بتأثير الضيق المتزايد في الدوائر العليا ذاتها من الحريات الصحفية والإعلامية.. وللضيق منطقه، الذي يميل إلى تصوير حرية الصحافة عدواً لدوداً يتربص بالحكم ويعمل على اغتياله معنوياً.
 بدا ذلك المنطق مزدوجاً.. فهو انتقادي للإعلام الرسمي، وانتقامي من الإعلام الخاص، الذي أخذ يتعرض لضغوط متصاعدة على رجال الأعمال الذين يمتلكون وسائله صحفاً وفضائيات.
 ثم نشأ تطور خطير ينال من الحريات الإعلامية، بمشروع قانون «تنظيم البث المسموع والمرئي»، الذي استدعى مخاوف العودة للرقابة على وسائل الإعلام، وفرض السيطرة الكاملة للدولة وأجهزتها الأمنية عليها.
في حيرة النظام بين الانفتاح على الحريات الصحفية وأحاديث الأحذية داهمته العواصف في «يناير» 2011.
 لم تكن الحريات الصحفية والإعلامية المتسعة لحدود غير مسبوقة في سنوات مبارك الأخيرة منحة من أحد، ولا هدية مجانية هبطت على صالات التحرير واستوديوهات الفضائيات.
 كما لم تكن هي من أطاحت النظام في النهاية، فقد لقي مصيره بانسداد القنوات السياسية والاجتماعية وإغلاق أبواب الأمل في أي إصلاح سياسي من داخله.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"