ليبيا والاستقرار الممنوع

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. كمال بالهادي

حدث غرق السفينة الناقلة للنفط والمسماة «ليكزوس»، في سواحل محافظة قابس التونسية والمحملة ب750 طناً من الغازولين، يعيد طرح قضية التهريب في البحر المتوسط إلى الواجهة، ويعيد فرض القضية الليبية المهمشة منذ فترة بسبب تطورات حرب الطاقة بين روسيا والغرب والتي تدور رحاها في أوكرانيا.
إن من أسهم في إفشال الانتخابات الليبية التي كانت مقررة في كانون الأول/ديسمبر من السنة الماضية، كان هدفه الوحيد هو استمرار منطق «الدولة الفاشلة»؛ لأن مصالح دول إقليمية وقوى عالمية وعصابات التهريب، ترتبط ارتباطاً عضوياً باستمرار الدولة الفاشلة والعاجزة في ليبيا. وعندما تيقّنت تلك الأطراف أن الانتخابات يمكن أن تعيد السلام إلى ليبيا، تم إفشالها، وإسقاط أحلام الشعب الليبي ليس فقط في دولة مستقرة؛ بل في دولة موحدة على الحد الأدنى المشترك بين أنباء الشعب الليبي المسالمين في أغلبهم.
ولهذا فإن مشروع تدمير ليبيا في سنة 2011، كانت غايته ألا يعود هذا البلد إلى استقراره، حتى لو تطلب الأمر احتلاله احتلالاً عسكرياً مباشراً، أو تدمير الشعب عن بكرة أبيه. ومع أن معظم القوى الإقليمية والدولية متورّطة في ما يحدث؛ بل مستفيدة منه أيما استفادة، فالأمر لا يتعلق  من الناحية العملية والاقتصادية  بعمليات تهريب بشر في قوارب الموت؛ بل الأساس في ما يحدث هو تهريب موارد الطاقة إلى أوروبا، وهذه النوعية من التهريب تصمت عنها أوروبا المنافقة؛ لأن تلك الموارد تصل إلى موانئها تحت جنح الظلام، ويستفيد منها المستهلك الأوروبي بعلم سلطات بلاده، إن لم نقل بمشاركة مباشرة من تلك السلطات. 
يقول الدكتور رافع الطبيب المختص في الشأن الليبي: «غرق الباخرة في عرض خليج قابس ألقى نقطة ضوء في ظلمة المثلث الإجرامي الممتد من سواحل الغرب الليبي إلى جزيرة مالطا وموانئ تونس. هذا المثلث هو مساحة عبور كل أنواع التهريب والجريمة المنظمة، لكنه أيضاً مثلث الصمت المتواطئ لأوروبا التي تحقق مصالحها تحت جنح الميليشيات والعصابات. أوروبا التي تسعى لإيقاف موجات الهجرة القادمة من سواحل ليبيا وتونس، تغض الطرف على جرائم الميليشيات غربي ليبيا، ولا تتعرض للمعاملة غير الإنسانية التي يعيشها المهاجرون من إفريقيا الوسطى في محتشدات العبودية في جوار طرابلس. 
كما أن مالطا، الدولة الفقيرة والطرفية في الاتحاد الأوروبي والتي ترتع فيها «المافيات» بجميع تلاوينها، تغطي تهريب النفط الذي تمتهنه ميليشيات «الشرعية» غربي طرابلس، وتسهّل دخوله للدورة الاقتصادية المعولمة. المسألة أكبر من أبعادها البيئية، فهي توافق إجرامي لحماية مصالح أوروبا والحفاظ على الوضع الفوضوي في ليبيا».
من هذا المنطلق، وفي هذه المرحلة من الحرب الأوكرانية، التي أسهمت في تقلص موارد الطاقة وفي ارتفاع أسعارها ارتفاعاً جنونياً، يصبح تهريب النفط من ليبيا أمراً شرعياً بالنسبة للأوروبيين، خاصة أنهم يحصلون عليه بأسعار بخسة وبكميات هائلة يومية؛ إذ يشرح الدكتور رافع الطبيب هذه المسألة في أرقام قائلاً:
1  العصابات الميليشياوية في مدينة الزاوية تقوم بطرح 120 ألف برميل نفط يومياً في السوق السوداء عبر البحر.
2  مالطا هي المركز المالي والعملياتي لتهريب النفط الليبي. نذكّر هنا بالقضية الفضيحة لمجموعة «فردون دي بونو».
3  هذه البواخر الخردة يستعملها المهربون ومن أبرزهم «المافيات» التركية والإيطالية كمنصات لتذخير القطع البحرية العملاقة التي تجوب مضيق الوطن القبلي (تونس)  صقلية (إيطاليا). يمر من هذه الذراع المائية ثلث التجارة البحرية العالمية.
ومما تتقدم، تتشكل الصورة التي يراد تغييبها، وهي أن ليبيا المفككة والفاشلة والخاضعة لسيطرة الميليشيات الإرهابية، هي النموذج المراد له الاستمرار، في المنطقة حتى ينهب النهابون (وما أكثرهم) خيرات البلد في غفلة أو بتواطؤ من بعض الليبيين الذين باعوا ضمائرهم منذ 2011، لتلك القوى التي أرادت بأبناء الشعب الليبي الشر. 
ومع استمرار حرب الطاقة بين روسيا والغرب ودخولها مراحل أكثر تعقيداً، بسبب عدم التوصل إلى تسوية نهائية تقبل بها جميع الأطراف، فلا غرابة أن تتضاعف عمليات شفط النفط الليبي إلى الموانئ الأوروبية. ولعل حادثة غرق السفينة في سواحل تونس، ليست سوى ذلك الشيء القليل من الكثير الذي يخفى على الأعين في حروب الطاقة القذرة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"