إشكالية القدوة في بلاد العرب

01:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

في الماضي السحيق كانت الأجيال الجديدة من البشر العاديين تقبل بأن تكون مصادر فهمها وحكمها على معنى والتزامات الحياة المحيطة بها نابعة باقتناع واحترام وثقة مطلقة من وسط رجال الدين. ما يقوله قادة الدين، من علماء وفقهاء ومدعين ومسؤولين، عما هو مقبول أو غير مقبول في حياة الإنسان الشخصية أو الجمعية، اعتبرته تلك الأجيال سليماً وملزماً وأقرب إلى تحقيق سلامة العيش ورغده.
 في تاريخنا العربي تمثلت تلك الظاهرة في المكانة القائدة المؤثرة الموثوق بصدقها لكبار شخصيات الفقهاء، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وجعفر الصادق.
 وبعد إزاحة الدين من مكانة الصدارة في الحياة الحديثة من قبل الحضارة الغربية، وصعود مكانة الفلسفة والأيديولوجيات وعلوم الاجتماع، حل مكان القادة الدينيين الأقدمين الفلاسفة والمفكرون الأيديولوجيون والعلماء المخترعون، من أمثال روسو وتولستوي وكارل ماكس وأينشتاين وفرويد واللورد راسل وجان بول سارتر وغيفارا وغرامشي. وفي بلاد العرب حل أمثال محمد عبده وطه حسين ومحمد عابد الجابري وميشيل عفلق وحسن البنا وجبران خليل جبران وكثر غيرهم. وبالطبع لا يتسع المجال لذكر المئات الآخرين على مستوى الوطن العربي وخارجه.
 المهم أن التاريخ يعلمنا بأنه لا تخلوا عوالم أي جيل من أسماء أشخاص اعتبرتهم تلك الأجيال مصادر إشعاع فكري أو نضالي سياسي جديرة بالاحترام والاقتداء بأفكارها وأفعالها واكتشافاتها.
 ومع أن بعض أولئك الأشخاص القدوة انتهوا أحياناً بارتكاب الأخطاء الفادحة وأحياناً أخرى بالوصولية وخيانة الأمانة الفكرية والنضالية، ومثلوا بالتالي أحد مصادر فواجع ويأس أتباعهم ومريديهم، إلا أن ظاهرة وجود المثل القدوة أو الإشعاع الإبداعي المتميز ستبقى متواجدة في حياة المجتمعات البشرية إلى الأبد. إنها ظاهرة لها أسبابها النفسية والعاطفية والذهنية والاجتماعية الملازمة للإنسان.
 من هنا أهمية طرح السؤال التالي: ما أنواع وصفات الأمثال القدوة في حياة الجيل الشاب العربي الحالي؟ هل هم قادة الفكر والأيديولوجيا والاكتشافات والنضال السياسي المضحي المتميز؟ أم أنهم من قادة وتميزات نشاطات وعوالم أخرى؟ وهل لهذا التبدل في الأمثال القدوة نتائج سلبية، بل وكارثية؟
 الجواب يكمن في ما طرحته التغيرات العربية والعولمية الهائلة التي رانت على حياة البشر في الآونة الأخيرة.
* أولاً: الثقافة العولمية التي يكوّنها وينشرها نظام إعلامي وفني هائل يركز على خلق ونشر وتشجيع التفاهات، وذلك من خلال تمجيد أفكار وأخلاق وسلوكيات المجتمع الاستهلاكي والانغلاق على الذات الفردية الأنانية المنشغلة دوماً بعالم الإثارة الغريزية في كل أشكالها وبأي ثمن كان. وأمام هذا الفرد ألوف كتب وأفلام وأغاني التنمية الفردية التي تشير إلى ألوف طرق الوصول إلى تلك الذات المريضة.
* ثانياً: إضافة إلى تلك الموجة المكتسحة من الثقافة العولمية، تتميز غالبية الحياة الجمعية العربية بتجذر ثقافة دينية سطحية مظهرية، تحارب كل تجديد فكري ديني ضروري، وترفض أي خروج من دائرة التجمد الفقهي الاجتهادي السلفي. كما تتميز بثقافة إعلامية قبلية تعادي كل ما هو ديمقراطي تجديدي في السياسة، وتنشر كل ما هو سطحي وغوغائي في عوالم الفنون والرياضة والأنشطة الاجتماعية.
* ثالثاً: انزواء الكثير من المثقفين العرب عن الانخراط في الحياة السياسية النضالية الجادة، والاكتفاء في أفضل الأحوال بممارستها بكثير من الحيطة في القول والكتابة والممارسة اليومية. لقد ذهبت تلك الفترة التي كان المثقفون في طليعة المتظاهرين وفي قلب صخب الخطابات الجماهيرية ومن أوائل الموقوفين والمسجونين.
 بالطبع، ما كان ذلك ليحدث لولا القبضة الأمنية الحديدية والمحاربة الظالمة في الرزق والإبعاد المتعمد عن كل منابر التعبير في الحياة المجتمعية الوطنية أو القومية.
والنتيجة هي اختفاء أشخاص القدوة من المفكرين والمثقفين الملتزمين والمناضلين بشجاعة وبطولة، ليحل محلهم أبطال الرياضة والرقص المبتذل والأغنية البليدة المائعة والخارجون على الأعراف الاجتماعية الأخلاقية المتزنة والمهرجون الشعبويون في أمور الدين والسياسة المبتذلة المجنونة.
 غياب الشخصيات القدوة، المعنيين بالتغييرات والتجديدات الكبرى، الملهمين والمحركين لعقول وأرواح الأجيال الجديدة، وليس غرائزهم ورغباتهم التافهة.. هذا الغياب يمثل كارثة تضاف إلى كوارث هذا الوطن العربي المنهك.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"