العلاقات الدولية بين التقاطع والمشاركة

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تشهد العلاقات الدولية في خضم الحرب التي تخوضها روسيا في أوكرانيا، تحولات لافتة على مستوى المشهد العالمي وليس فقط على مستوى المواجهة التقليدية بين الشرق والغرب؛ ويمكننا أن نقبل، في هذا السياق ولو جزئياً، بمضامين بعض التحليلات التي تقول إن العلاقات الدولية تشهد أزمة غير مسبوقة وهناك طفرات حقيقية تحدث على مستوى نسقها العام، ويذهب برتراند بادي إلى التأكيد، عطفاً على ذلك، بأن الصيغ المتعلقة بالتحالف يجري تجاوزها الآن لصالح ثلاث صيغ أو مفاهيم رئيسية وهي الشراكة والتقاطع والمشاركة الجماعية في صنع القرار.

 نستطيع أن نلاحظ بداية، أن أقدم شكل للتحالف الموروث عن الحرب العالمية الثانية الذي قادت من خلاله الولايات المتحدة خليطاً هجيناً من الدول الغربية، قد بدأ في التفكك، وبدأت أيضاً مؤسساته وفي مقدمتها حلف الناتو في فقدان أهميتها، وبالتالي فإنه لم يكن من باب الصدفة أن يقول عنه ترامب بأنه قد أصبح متجاوزاً، وأن يصرّح الرئيس الفرنسي ماكرون بأنه في حالة موت سريري، وأن تخرج تركيا عن إجماع هذا الحلف وتشتري منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»؛ أما ما يجري الآن من حديث عن استعادة الناتو لعافيته وعودة الحيوية إلى العلاقات بين أعضائه في زمن الحرب، فإنه لا يدخل بالضرورة في خانة التحالف، لكنه يعبّر عن شعور الدول الغربية والدول المتحالفة معها، مثل اليابان، بإمكانية فقدانها لمصالحها في العالم.

 وعليه، فإن ما يدعم فرضية تراجع خيار التحالف في العلاقات الدولية وبخاصة ذلك النموذج الذي يفتقد للعلاقات القائمة على الندية، هو أن الدول التي تم ترسيخ تبعيتها لواشنطن أثناء بناء التحالف الغربي تعمل الآن على استغلال لحظة الخطر الوجودي الذي يشعر به الغرب والدول المتحالفة معه من أجل استعادة قوتها العسكرية والابتعاد عن الوصاية الأمريكية، ويصدق ذلك بشكل أساسي على اليابان وألمانيا اللتان قررتا استثمار ميزانيات ضخمة لتطوير صناعتهما العسكرية، كما أن هذا التحالف سقط جزئياً بقرار أمريكي وبريطاني عندما قامت لندن وواشنطن بإقصاء فرنسا من تحالف «أوكوس» الذي يجمعهما مع أستراليا. وفضلاً عن ذلك، فإن هذا التحالف الغربي يجمع بين دول ذات أجندات متناقضة مع أجندات واشنطن ولندن وفي طليعتها فرنسا وألمانيا من جهة، وبين دول تابعة بالكامل لأمريكا ولا تملك أجندات وطنية خاصة بها مثل بولندا من جهة أخرى.

 بالنسبة للشراكة، يبدو واضحاً أن الشراكات السياسية بين الدول تظل هلامية بسبب صعوبة التوفيق بين المشاريع التي تتبناها الدول الوطنية، وتكون من ثم الشراكات في المجال الاقتصادي أكثر قابلية للتجسيد. وتفضل العديد من الدول المراهنة على التقاطع أو التواطؤ الظرفي على مستوى بعض الملفات دون أن يكون هناك التزام من أي طرف من الأطراف بالمحافظة على هذا التوافق الجزئي وجعله يمتد إلى ملفات أخرى؛ ويصح ذلك بشكل واضح على التقاطع الحاصل حالياً بين تركيا وروسيا في بعض القضايا على الرغم من تضارب المصالح الاستراتيجية بينهما.

 ويعتقد الكثيرون بأن تراجع قدرة واشنطن على بسط هيمنتها وبروز قوى كبرى مثل الصين وقوى متوسطة لها أجندات إقليمية مستقلة، بدأ يُسهم في ترسيخ مفهوم المشاركة في أخذ القرارات الحاسمة بشأن الملفات الكبرى على مستوى العلاقات الدولية بالنسبة للعديد من الدول التي تريد أن تكون ذات إرادة مستقلة، وهذه الإرادة القائمة على خيار المشاركة كبديل للتحالف والتبعية هو الذي جعل العقوبات التي فُرضت على روسيا تظل منحصرة على مستوى الدول الغربية، بعد رفض دول مثل الهند وتركيا والسعودية والإمارات الانضمام إليها، كونها دول تدافع عن حقها في المشاركة في اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤثر فيها سياسياً واقتصادياً.

 وإذا كان تحليل برتراند بادي بشأن خيار المشاركة الذي بدأ يتجسد على مستوى العلاقات الدولية يبدو حصيفاً، فإن مزاعمه بشأن حتمية العولمة والحوكمة العالمية وافتراضه بأن للمجتمعات إرادة مستقلة عن إرادة الدول، تعتبر غير مؤسّسة، لكونها تُغفل أن المجتمعات كيانات افتراضية تستند إلى وعي أفرادها وليس لها وجود مستقل عن الدول التي تنتمي إليها، وأن المجتمعات التي تتبنى أجندات مناقضة لأجندات دولها تخضع لإرادة قوى معادية لاستقلالية وسيادة الدول الوطنية.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"