أنقرة والمسألة السورية

00:52 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نورالدين

عادت السجالات بين تركيا وسوريا بصورة غير مباشرة الى الواجهة مؤخراً مع صدور مواقف وتصريحات من كلا الجانبين حول قضية التواصل بين الجانبين كما حول قضية اللاجئين السوريين في تركيا تحديداً.

 فقد تحدث وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو عن اتصالات بين دمشق وأنقرة على الصعيد الأمني فقط، قائلاً إنه يمكن التعامل مع دمشق كأمر واقع من دون الاعتراف بالنظام السوري. وقد رأت دمشق في هذا التعبير محاولة لجس النبض من جهة وإيهاماً للرأي العام العربي والدولي بأن العلاقات بين تركيا وسوريا قد تكون في بداية مرحلة جديدة. ومثل هذا الانطباع يصب حتماً لمصلحة السلطة في تركيا التي تبحث منذ أكثر من سنة عن وسائل تواصل جديدة مع العديد من الدول مثل دولة الإمارات وإسرائيل ومصر وأرمينيا.

 ومع أن تركيا حققت تقدماً في بحثها عن «أصدقاء» جدد أو إعادة التواصل مع بعض الأصدقاء القدامى، إلا أنها لا تزال قاصرة أو غير راغبة في فتح صفحة جديدة وجدية مع سوريا الجارة الأقرب لها والأهم بكل المقاييس والتي تمتد حدودها معها إلى 911 كيلومتراً.

 ربما فوجئت سوريا بمواقف وزير الخارجية التركية، إذ جاءت في سياق بعيد عن الواقع، ولذا كانت لهجة بيان وزارة الخارجية السورية تجاه أنقرة حادة وشديدة. واتهمت أنقرة بأنها تشيع مناخات وهمية غير موجودة فضلاً عن انفصام في الشخصية.

 الانزعاج السوري من تركيا واضح ومبرر، حيث إن تركيا بذلت كل جهد، وأحياناً كثيرة من جانبها، من أجل تحسين العلاقات مع بعض الدول. فهي من أجل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة شرعت بالتقرّب من إسرائيل، باعتبار أن إسرائيل هي بوابة تركيا إلى قلب البيت الأبيض، وأغرت إسرائيل بتوزيع النفط والغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا، حيث هو أقل كلفة وأسرع وصولاً. بل إن تركيا اتخذت مواقف غير معتادة من القضية الفلسطينية ووصفت عمليات المقاومة الفلسطينية بالإرهابية والشنيعة. 

 ترى سوريا أن الرئيس أردوغان يتلاعب بالملف السوري بما يؤمن مصالحه الرئاسية والشخصية، في حين لم يقم بأية خطوة جديدة على صعيد إغلاق هذا الملف الشائك والمعقد. وأية اقتراحات جديدة لا يمكن أن تتم بالطريقة التي خرج بها تشاووش أوغلو عبر تصريحات مواربة ومن دون البدء بمفاوضات بداية على مستوى دبلوماسي ومن ثم وزاري وهكذا. ذلك أن قول تشاووش أوغلو إن أنقرة يمكن التعامل مع النظام السوري كأمر واقع من دون الاعتراف به، أمر غير مقبول من أي زاوية نظر إلى الأمر. وهو يعكس استخفافاً كاملاً في التعامل مع سوريا نظاماً ودولة. وهذا الاستخفاف لا يعكس تخبطاً أو غموضاً أو تناقضات في السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا بقدر ما هو نابع عن موقف ثابت تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بالأطماع الجغرافية والتاريخية لتركيا في سوريا (كما العراق) ويعكس استمراراً ثابتاً لرغبة تركيا في مواصلة إضعاف جارتها وإبقائها تحت الضغط والاحتلال. 

 ويمكن التذكير هنا بأن دولة الإمارات العربية المتحدة في سياق تحسين العلاقات مع سوريا دخلت إلى دمشق من بوابتها الشرعية وقابلت سوريا ذلك بتقدير كبير حيث قام الرئيس بشار الأسد شخصياً في 18 مارس/ آذار الماضي بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة.

 إن موقف تركيا من سوريا في الآونة الأخيرة يتناقض مع مواقفها من الدول التي تحسن علاقاتها معها. وهو يدخل الشك في أن العلاقات المتحسنة مع هذه الدول لا تدخل في باب الثوابت بل في باب التكتيك الذي قد ينقلب مجدداً على نفسه، وإن كل محاولات أردوغان تحسين العلاقات مع بعض الدول إنما من أجل رفع حظوظه للفوز في انتخابات الرئاسة في العام المقبل.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"