القاهرة: «الخليج»
يتناول محمود سالم الشيخ في كتاب «أهم شعراء الطليان في القرن العشرين» ثلاثة شعراء كبار، أحدهم فاز بجائزة نوبل، وهو يوجينو مونتالي، والثاني أونجاريتي، والثالث أمبرتو سابا، حيث يتفق النقاد ودارسو الأدب الإيطالي الحديث والمعاصر على أنهم أكبر شعراء القرن العشرين وكان أونجاريتي قد أدخل من خلال ديوانه الأول «البهجة» تجديدات شكلية واقعية حقيقية على الشعر في أوائل القرن العشرين.
قضى أونجاريتي طفولته وشبابه في حي محرم بك بالإسكندرية؛ حيث كان والداه يديران مخبزاً استمرت في إدارته والدته بعد وفاة أبيه عام 1890 إثر حادث أثناء عمله في حفر قناة السويس، ودرس في أشهر مدارس المدينة ولم يغادرها متجهاً إلى إيطاليا عام 1912 بل إلى فرنسا ليتم دراسته بالسوربون، وفي تلك الفترة ارتبط بصداقة وثيقة مع عدد من الأدباء الطليعيين.
هذا الأمر سمح له بأن يقتحم التراث الشعري الإيطالي وينقض بثورية لم يسبق لها مثيل على بيت الشعر الإيطالي التقليدي، وتتمثل هذه الثورة في تجديد بيت الشعر بإدخال «البيت الحر» الذي أخذه عن أرقى التجارب الشعرية الفرنسية التي حانت له الفرصة لكي يتعرف إليها عن كثب، من خلال معرفته بممثلي التجديد الشعري الفرنسي مثل رامبو ومالارميه.
كان بيت الشعر الجديد في ديوانه «البهجة» محطماً مفككاً منقسماً إلى عدة أبيات قصيرة، قد تتكون من كلمة واحدة أو من حرف واحد، وفي هذا الإطار يتكون النص من جمل قصيرة سريعة مثل البرق لا تخرج إلا من إنسان منطوٍ على ذاته، مع تركيز شديد على النبرات، والتشديد على الحروف، وكانت هذه التقنية غير معروفة حتى ذلك الوقت، واستعادت الكلمة بساطتها بعد أن تخففت من البلاغة والمجاز، وعادت إلى أصلها تعبيراً عن صوت، ولهذا فإن القصيدة عند أونجاريتي هي ترتيب صوتي عندما يجاور الصوت صوتاً ويخلق القصيدة.
وترجع شهرة الشاعر أمبرتو سابا إلى إيمانه الراسخ وتمسكه المستميت بموازين وقوانين الشعر التقليدي، وخاصة تجارب القرنين الثامن والتاسع عشر، إضافة إلى كونه أول شاعر إيطالي يضيف البعد النفسي إلى أشعاره، الأمر الذي أدى إلى أن يصفه أكبر النقاد الإيطاليين المعاصرين بأنه «محلل نفسي قبل اكتشاف علم النفس» وقد ولد في 9 مارس/آذار عام 1883 وبدأت مأساته بالانقسام بين أم يهودية شديدة القسوة وأب مسيحي غير موجود، ومن هنا بدأت المعركة والصراع النفسي.
عانى سابا الكثير من عدم تقدير أشعاره من جانب النقاد والشعراء وعامة المثقفين، الأمر الذي اضطره إلى أن يكتب وينشر عام 1948 «تاريخ وأحداث تاريخ الديوان» تحت اسم مستعار، ويعد مثالاً فريداً من نوعه في تاريخ الأدب، حيث يخلد الشاعر نفسه وينادي علناً بتتويجه كشاعر العصر، وتمتلئ أشعاره بالأساطير التي تشكل أصولاً لعلم النفس.
وبينما كان أونجاريتي منغمساً في تجديد بيت الشعر وتغيير شكله، وتركيز موسيقى شعره على النطاق الضيق للكلمة، وبينما كان سابا عاكفاً في «عزلته النائية» يرتب ديوانه في شعر تقليدي، وينادي بتخليد نفسه كشاعر العصر، كان يوجينيو مونتالي يمثل الضمير الحي، ليس فقط للحياة الأدبية والثقافية، بل كذلك السياسية في إيطاليا، فبالرغم من وجود شخصية كبيرة ومؤثرة في حياة الأدب والفكر الإيطالي في ذلك الوقت، مثل الفيلسوف كروتشه فإن مونتالي تحمل عبء مآسي وقلق ورعب طبقة المفكرين والمثقفين، ليس فقط في إيطاليا، بل في العالم أجمع في الفترة الغامضة، التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ويرجع سبب ذلك إلى أن مونتالي كان يعتبر الشعر النشاط الوحيد للروح، النشاط الذي يسمح للإنسان بمزاولة حريته دون تدخل أو ضغط خارجي، والسبب الثاني أن حياة مونتالي نفسها ليست إلا مرآة صادقة لشاعريته ومبادئه الأخلاقية، بما ترتب عليه استقلاله في مختلف أنشطته: شاعراً وناقداً ومراقباً أو تلميذاً كما كان يحب أن يصف نفسه، كان يكتب للبشر وبساطة الحياة اليومية ولم يكن يريد أن يتميز وسط الآخرين، أراد أن يظل فقيراً وسط جماهير الفقراء، كان متحفظاً وخجولاً، لكن نظرته الحادة وبصيرته وحكمة التقدير كانت تزيده وقاراً، بخاصة لدى الشباب الذين كانوا يتقربون إليه.