ماكرون وفرنسا الغاضبة

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. كمال بالهادي

انتصر ماكرون كما كان متوقعاً، لأن فرنسا التي تديرها الوسطية اليمينية واليسارية منذ بداية الجمهورية الخامسة ترفض الذهاب إلى أقصى اليمين المتطرف حتى وإن كانت كل فرنسا غاضبة على نخبتها السياسية.
 الرئيس الفرنسي ذاته جاء في انتخابات 2017، عن طريق «فرنسا الغاضبة»، فقد أسس حزباً لم يتجاوز عمره السنة الواحدة عندما تقدم للانتخابات واستطاع أن يهزم الحزب الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه واستطاع أن يهزم الحزب الجمهوري اليميني الديغولي في الوقت نفسه. فماكرون أو «الظاهرة الماكرونية» في فرنسا هي ذاك الخليط السياسي الذي يتكون من ما بعد اليسار واليمين، والذي رغب في أن يكون لشباب فرنسا مستقبلاً آخر غير الذي يرسمه «عواجيز» السياسة الفرنسية. وكان التصويت في الانتخابات الماضية تعبيراً عن رغبة جامحة من الشباب الفرنسي في القطيعة التامة مع طبقة سياسية فرنسية كانت تخدم مصالح القوى النافذة في فرنسا. 
 ولكن ماكرون لم يكن ذلك الفارس الحقيقي حامل لواء التغيير في فرنسا الجديدة، فسرعان ما «اشتبك» مع ناخبيه بسبب سياسات قديمة لم يستطع أسلافه من اليمين واليسار أن ينفذوها، وكانت ثورة أصحاب «السترات الصفراء»، خير دليل على أن فرنسا الغاضبة تزداد قوة أكثر من ذي قبل و ترفض تهميشها. ومضى ماكرون في سياساته المخالفة لتوقعات ناخبيه، ولم ينج من الصدام معهم إلا بفضل أزمة كورونا التي غيرت اهتمامات الفرنسيين بالشأن السياسي مثلهم مثل باقي شعوب العالم. ثم أتت الحرب الأوكرانية، لينجو ماكرون بنفسه من خلال تصدير أزمات فرنسا إلى حدود أوكرانيا؛ حيث انخرطت فرنسا في أزمة دولية، يعرف ماكرون جيداً أنها ستعود بالوبال على الشعب الفرنسي.
 فرنسا الغاضبة وعندما وجدت نفسها أمام خيارين، لم تستطع أن تذهب في مغامرة مجهولة العواقب، بالتصويت لمارين لوبان، على الرغم من حصولها على 42 في المئة من أصوات الفرنسيين؛ بل اختارت أن تظل في الحد الأدنى الأقل سوءاً. وهكذا تحدث جون لوك ميلانشون زعيم تحالف «فرنسا الأبية» الذي دعا هو نفسه إلى التصويت لماكرون ضد لوبان. الرئيس الفرنسي يعرف هذه الحقيقة جيداً، وسنواته الخمس المقبلة لن تكون مريحة كما لم تكن ولايته الأولى مريحة أيضاً. لأن أرقام الانتخابات الفرنسية يمكن قراءتها من زاوية أخرى؛ حيث يرى مدير معهد الاستشراق الأوروبي، إيمانويل ديبوي، أن الامتناع عن التصويت هو «الحكم الأكبر في الاقتراع الحالي». 
ويوضح بالقول: «حصلت لوبان على نحو 13 مليون صوت فيما ذهب صوت 17 مليون لماكرون. وغاب 13 مليون ناخب عن الاقتراع مع تسجيل أربعة ملايين «صوت أبيض»؛ ما يعني أن الفائز في هذه الانتخابات ليس ماكرون بل الذين لا يريدون لا مرشح حزب «الجمهورية إلى الأمام» ولا متزعمة «الحزب اليميني المتطرف».
 ويتضح لنا أن عدد الممتنعين عن التصويت هو بحجم الأصوات التي حصلت عليها لوبان، كما أن عدد الممتنعين زائد الأوراق البيضاء هو بحجم الأصوات التي حصل عليها ماكرون. بل إن ماكرون نفسه لم يحصد تلك الأصوات إلا بفضل جون لوك ميلانشون الذي حصل على 23 في المئة من أصوات المقترعين في الدور الأول. وهو الذي دعا أنصاره للتصويت لماكرون ليست حباً في سياساته أو اقتناعاً بها بل كانت خطوة من أجل قطع الطريق على لوبان حتى لا يتم هدم ما حققه الفرنسيون خلال العقود الماضية، خاصة في ما يتعلق بفضاء الاتحاد الأوروبي التي تعتبر فرنسا إحدى أبرز قواه.
 الرئيس المنتخب قال في خطاب النصر من أمام برج إيفل، «أعلم أن عدداً من مواطنينا صوتوا لي اليوم ليس دعماً للأفكار التي أحملها بل للوقوف في وجه اليمين المتطرف»، وأردف قائلاً إنه لا بد من «إعطاء أجوبة» للذين دفعهم «الغضب والاختلاف في الرأي» للتصويت إلى أقصى اليمين. فهل سيتغيّر حقاً؟
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"