عادي

بلند الحيدري.. ضلع الريادة الشعرية الضائع

بدأ مع السياب والبياتي
22:44 مساء
قراءة 3 دقائق
1801

القاهرة: «الخليج»

تتناول تهاني فجر، في كتابها الصادر عن دار العين للنشر والتوزيع بعنوان: «ضلع المثلث.. بلند الحيدري والريادة المفقودة» سيرة هذا الشاعر العراقي منذ ولادته إلى مرحلة صباه ومراهقته وتشرده، وصولاً إلى مرحلة سجنه وخروجه من بغداد، وارتحاله إلى عواصم عدة، منها بيروت التي كانت من أهم محطات حياته، حيث أثرت في تجربته الشعرية، ثم لندن التي بقي فيها حتى مماته، كما تتناول فجر أعمال الحيدري التي استندت إلى رموز بعينها كالموت والغربة والزمن والفراغ الذي أولاه اهتماماً بالغاً، مع إشارة مسهبة إلى الفكر الوجودي، الذي كتب على خلفيته مجمل تجربته الشعرية، وقد خصصت الناقدة لكل ديوان من دواوين الشاعر وقفة نقدية صغيرة.

تقول فجر:«كنت محظوظة في التواصل مع زوجته الفنانة التشكيلية الراحلة دلال المفتي، إذ لا توجد معلومات عن الشاعر لا في الكتب ولا في الإنترنت، واستطعت الحصول منها على معلومات كثيرة ومهمة عن حياة زوجها الراحل، وقد أرسلتها إلى قبل وفاتها بقليل، ثم اكتشفت مسألة تجهيل ريادته كأول رائد للشعر الحديث في العراق، وقد تحدثت عن هذا بشيء من الإسهاب في فصل مكانته الشعرية».

خطوات

في عام 1926 ولد بلند الحيدري، ثم في حضن اليتم توزعت خطواته الأولى، بين أزقة كردستان والسليمانية وأربيل وكركوك بحكم عمل والده الضابط في الجيش، لذلك جاء صوته في البداية كردياً، إذ كتب أول قصيدة له بالكردية وهو في الثالثة عشرة، وكان منطوياً في طفولته، وغالباً ما كان يصطدم بوالده في مراهقته:«لم أكن أفهم أبي ولم يكن يفهمني» وحين انفصل والداه سنة 1940 ذهب وأخوته للعيش مع والدتهم، ما زاد تعلقه بها، لكنها سرعان ما ماتت عام 1942.

انتقل بلند الحيدري للعيش في بيت جدته لوالده، وترك المدرسة قبل إكمال المرحلة المتوسطة، واشتغل في أعمال مختلفة منها كتابة العرائض أمام وزارة العدل، ونام على أرصفة بغداد، وتحت جسورها ليال عديدة، وكان يتردد على المكتبة العامة لساعات متأخرة من الليل، فأطبقت الوجودية على صوته حيناً والماركسية بنسبة أقل حيناً آخر، وفي تلك الأثناء قادته المصادفة للتعرف إلى جواد سليم رائد الفن التشكيلي في العراق، ورغم أنه كان يكبر بلند بثماني سنوات إلا أن المسافات بينهما بدت وكأنها خدعة.

في عام 1946 أسسا معاً جماعة سميت«جماعة الوقت الضائع» بمشاركة آخرين منهم الفنان نزار سليم ثم كبرت الجماعة، لينضم إليها حسين مردان ومحسن مهدي وغيرهما وجاءت تسمية المجموعة التي كانت عبارة عن مجلة ثم دار نشر، من رواية مارسيل بروست الشهيرة «البحث عن الوقت الضائع» وعنها صدر ديوان بلند الأول «خفقة الطين» سنة 1946 ومما قاله جبرا إبراهيم جبرا عن بلند:«لقد أعجبني هذا الفتى الشبيه برامبو لكن في زمان ومكان غير فرنسا القرن التاسع عشر» وأسس الحيدري تجمعاً في اتحاد الكتاب العراقي سمي«المرفأ» سنة 1960 استمر لعامين قبل أن يتبدل الوضع السياسي في العراق ويسافر عدد من أعضاء الجماعة خارج بغداد ومنهم الحيدري.

يقول قاسم حداد:«يبدو أن عزوفاً عفوياً عن سباقات الخيول الهرمة يحلو له أن يمارسه في حرية الهامش، سأل أحدهم بلند ذات جلسة: كنت مع السياب والبياتي منذ البداية، لماذا لا يذكرونك في معتركات الريادة؟ يهز كتفيه ولا يدخل في شباك الجدل الدائر: يصطفلوا أنا هنا الآن وهذا يكفي».

عهد جديد

تدافع المؤلفة عن ريادة بلند الحيدري الشعرية، مستشهدة بما قاله بدر شاكر السياب: «هناك عدد من الشعراء أكن لهم كل التقدير والإعجاب، وعلى رأسهم بلند الحيدري الذي كان ديوانه خفقة الطين أول ديوان صدر من ثلاثة كانت فاتحة عهد جديد في الشعر العراقي: عاشقة الليل لنازك الملائكة، وأزهار ذابلة للسياب». لكن كثيراً من النقاد سقطوا في خطأ فادح، إذ اعتبروا بلند من الجيل الذي تلا جيل الرواد، وقد عزا البعض تجهيل دور بلند الريادي بسبب كرديته، التي وقفت حاجزاً يمنع الاعتراف بأسبقيته، في ما رأى آخرون أن بلند كان أقل انغراساً في التراث من السياب والملائكة، لذلك اختارت الثقافة ما يوافقها، ليكون شارع التجديد باسمه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"