عادي

«الإيكونوميست» تنشر تفاصيل جديدة.. هكذا أصبحت لندن ملاذاً لغسل الأموال

22:07 مساء
قراءة 4 دقائق
كاناري وورف حي المال في لندن (أ.ف.ب)

قالت مجلة الإيكونوميست إنه على مدى سنوات، كانت لندن غارقة بالأثرياء الذين يبحثون عن مسكن مستقر لثروة يمكن الاعتماد عليها، فيما سعى البعض الآخر للحصول على مزايا ضريبية، وكان آخرون يبحثون عن ملاذ لغسل الأموال القذرة، أو لإعادة تدوير الثروة المكتسبة التي حصلوا عليها في ظروف لا تعتبر إجرامية إلا أنها تظل فاسدة في أعين الغربيين.
ومع امتلاكها لمركز نقدي ضخم، وقواعد تنظيمية أقل صرامة، لطالما كانت بريطانياً مركزاً ممتازاً لغسل الأموال، حيث تزخر بالكثير من العقارات الفاخرة، التي يمكن أن تستغل لغسل الأموال القذرة. كما يقدم المهنيون القانونيين والمصرفيون خدمات سرية ومكلفة لمساعدة الأثرياء على التهرب الضريبي وإعادة استثمار الأموال غير الشرعية. لذا لا عجب أن تشير مؤسسة «نيشنوايد كرايم كومباني» البريطانية لمكافحة الجريمة الى أن الدولة لديها جانب سلبي في مجال غسل الأموال يصل إلى 100 مليار جنيه استرليني (125 مليار دولار) خلال 12 شهراً. 
ولم تفعل الحكومات البريطانية المتعاقبة الكثير لتثبيط التدفق المالي، إلا أن الصراع في أوكرانيا أدى إلى تغيير مفاجئ، حيث فرضت بريطانيا عقوبات على أكثر من 1600 شخص وشركة، إلى جانب أكثر من 100 رجل أعمال والأفراد الأثرياء المقربين من الرئيس الروسي. 
وتم التعجيل بإصدار قانون الجرائم الاقتصادية الذي طال أمده، والذي جعل من السهل مقاضاة الفاسدين في جميع أنحاء العالم، عن طريق البرلمان في مارس وذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع من بدء الأزمة في أوكرانيا.
وألغت الحكومة البريطانية مخطط تأشيرة المستثمر، الذي أطلقه جون ماين في عام 1994، والذي سمح لأي أجنبي مستثمر بالحصول على الإقامة في البلاد.

  • بيانات خاطئة

ويتزاحم غاسلو الأموال على لندن، نظراً لأنها توفر السرية المالية للمستثمرين. وكانت بريطانيا الدولة الأولى في مجموعة العشرين التي قدمت سجلاً عاماً للشركات العاملة فيها في عام 2016. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يتم القبض على أولئك الذين يقدمون بيانات خاطئة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العقوبات عادة ليست شديدة القسوة. 
وأحد عوامل الجذب الأخرى بالنسبة للمستثمرين هي قوانين التشهير البريطانية، حيث تعتبر مكاناً محبباً بالنسبة للأشخاص الهاربين من فضائح التشهير. وجاء قانون التشهير لعام 2013، بهدف حل هذا الخلل في التوازن، إلا أن المحامين الأذكياء تمكنوا من إيجاد ثغرات فيه يصب في صالحهم. 
وكان الهدف من القانون هو تعزيز مصالح الدفاع العام الذي تطور من خلال القانون، وزيادة حرية الصحفيين والكتاب وحمايتهم. إلا أن المحامين الأذكياء استخدموا مهاراتهم لشد الحبل حول معارضيهم. وطوّر المحامون أساليبهم في الدفاع عن الأثرياء وشملت إرسال رسائل طويلة ومتنمرة للصحفيين والمؤسسات غير الحكومية التي تحقق مع موكليهم لإجبارهم على التخلي عن القضية.
 وحاولت الحكومة البريطانية تقديم إصلاحات والحد من الحرب القانونية هذه مثل منح القضاة الحق في رفض قضايا مشكوك في صحتها منذ البداية وتقليص الحد الأقصى لما يمكن للمدعين الحصول عليه في ما بعد. كما طالب نواب بريطانيون بحظر منح تأشيرات للمحامين الذين يعملون نيابة عن أثرياء فاسدين، واضطرت شركات محاماة مثل «كارتر راك» و«هاربوتيل آند لويس»، على إثر ذلك، لنفي أنها تدير قضايا لأثرياء فاسدين. 

  • سرية المعلومات 

ومع ذلك، كان لدى المحامين سلاح آخر حيث استخدموا قانون سرية المعلومات والخصوصية لرفع دعاوى تشهير، قالوا فيها إن خرق الخصوصية تسبب بتشويه سمعة موكليهم. 
والجزء الآخر من مشكلة بريطانيا هي المحاكم، فعلى الرغم من أن القضاة البريطانيون يحظون بسمعة جيدة، لكنهم لا يمارسون عملهم المطلوب عندما يتعلق الأمر بثروات كبيرة واقعة ضمن اختصاصات أجنبية لا تحترم القانون. وفي بعض الأحيان يمنحون الثقة لأدلة غير قوية تقدمها السلطات الخارجية المرتبطة بالقضية. وقال محام بريطاني: «يُظهر القضاة الكثير من السذاجة وأحياناً يقبلون بثقة شهادات الشهود والوثائق المالية والأدلة الأخرى التي تقدمها حكومات فاسدة لأنها رسمية».
وهذا لأن الكثير من الأثرياء لهم علاقات مع مسؤولين في تلك الدولة يمكنهم التزوير والتحكم بالمعلومات التي تقدم للمحاكم.
كما يعاني النظام القضائي البريطاني من غياب الشفافية، فهو وإن كان مفتوحاً إلا أن معرفة موعد جلسات الاستماع ومكانها يعتبر أمراً صعباً، إضافة إلى أنه من الصعب الحصول على وثائق المحكمة لأنها مكلفة للغاية. 
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بنظام المحاكم في بريطانيا، وهي ممارستها نظام «تحويل الكلفة» فالخاسر يدفع جزءاً من التكاليف أو جميع تكاليف التقاضي، ما يعني أن من لديه مال كثير لا يواجه مشكلة في دفع فاتورة معارضه. وكل هذا يجعل مشكلة التقاضي مكلفة جداً لأن المحامي قد يطلب رسوماً عالية من خلال إقناع موكليه بأنه لو ربح القضية فسيتولى خصمه دفع الفاتورة. ولا تردع فاتورة المحكمة العليا الأثرياء الذين يقاضون بعضهم بعضاً أمام المحاكم البريطانية من دون أن يهتموا بالكلفة. 

  • تنفيذ القانون

ويظل الجزء الرابع والأهم من مشاكل مكافحة المال القذر في بريطانيا هو تنفيذ القانون. فالميزانية الإجمالية البريطانية لمكافحة الجريمة هي 850 مليون جنيه استرليني. ويذهب من الميزانية مبلغ صغير لا يزيد على 43 مليون جنيه استرليني، لملاحقة الجرائم الدولية. 
وقال تقرير بعنوان «الجانب السلبي للكليبتوقراطية في المملكة المتحدة»، نشرته مؤسسة «تشاتام هوم» الفكرية في عام 2021، إن بريطانيا تبنت استراتيجية «قائمة على المخاطر» لمكافحة غسل الأموال، حيث يتم تفويض الكثير من الأعمال الشُرطية للبنوك والمحامين وغيرهم داخل القطاع غير العام. ومع ذلك، فإنه يخلص إلى أن «الإخفاقات في إنفاذ وتنفيذ اللوائح، إضافة إلى استغلال الثغرات من قبل عناصر التمكين المهرة، تعني أنه تم تنفيذ القليل في أعقاب إحباط الثروة الكليبتوقراطية والأجندات السياسية من دخول بريطانيا.»
 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"