انتخابات لبنان.. لزوم ما لا يلزم

00:33 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نورالدين

يتوجه الللبنانيون في الخامس عشر من مايو/أيار الجاري، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس نيابي جديد. وباستثناء فترة الحرب الأهلية من 1975 إلى 1990؛ حيث لم تجر الانتخابات وتم التمديد لآخر مجلس نيابي منتصف عام 1972، كانت الانتخابات النيابية تجري في مواعيدها على الرغم من كل شيء. وغالباً ما كانت الطبقة السياسية تلجأ لتعديل قوانين الانتخابات قبل فترة وجيزة جداً من موعدها وهو الأمر الذي كان يغير قواعد اللعبة وفقاً لمصالح الطبقة النافذة. في حين أن الدول الديمقراطية غالباً ما تشهد استقراراً طويل المدى في قوانين الانتخابات لأن مثل هذا القانون ليس قانوناً عادياً لتغييره غب الطلب. وغالباً ما لا يسري أي تعديل في قانون الانتخاب على الانتخابات التي تليها لكي تحصنه من الاستغلال السياسي المباشر.

 ويبدو غريباً بعض الشيء، أن لبنان لم يشهد استقراراً في أي قانون انتخابي. ولا تأتي أية انتخابات جديدة إلا وقد طال التعديل قانونها وفي آخر لحظة.

 مع ذلك من ميزات القانون الحالي الذي طبق للمرة الأولى في انتخابات 2018 أنه يعتمد النسبية بما يفسح في المجال أمام قوى الأقلية أن تتمثل في البرلمان الجديد ولو بأعداد محدودة، بينما كانت كل قوانين الانتخابات السابقة تعتمد معيار الأكثرية؛ بحيث إن اللائحة التي تحوز العدد الأكبر من الأصوات تفوز بجميع مقاعد الدائرة الانتخابية. وهذا بلا شك لا يحقق العدالة وتبقى أصوات جزء كبير من الناس خارج التمثيل البرلماني.

 لكن لبنان كان ولا يزال يواجه معضلة القاعدة الطائفية في قوانين الانتخابات، فالنواب في لبنان موزعين بحسب الدين والطوائف. فللمسيحيين 64 نائباً وللمسلمين مثلهم. وللموارنة ضمن المسيحيين 34 وللأرثوذكس 14 وللكاثوليك 8 وللأرمن الأرثوذكس خمسة ولباقي الأقليات المسيحية ثلاثة نواب. أما المسلمون فللسنة 27 وللشيعة مثلهم وللدروز ثمانية وللعلويين مقعدان.

 لذلك فإن قانون الانتخاب النسبي يثير لا عدالة في كيفية اختيار النواب على أساس طوائفي فيذهب الناخب لاختيار اسم واحد (يسمى الصوت التفضيلي) من اللائحة التي يؤيدها وهنا تبدأ المشكلة. إذ غالباً ما يعطي الناخب صوته لمرشح من طائفته على الرغم من أن اللائحة يمكن أن تضم مرشحين من طوائف متعددة. وهذا لا شك يعمق الانقسام الطائفي الذي لا تعوزه أسباب إضافية لزيادة الشرخ.

 في جميع الأحوال أن تذهب لصندوق الاقتراع منذ استقلال لبنان عام 1943 وحتى الآن هو أمر جيد بكل المقاييس.

 لكن المشكلة الأخرى والأكبر التي يواجهها لبنان وكانت سبباً في أزمة النظام منذ ثلاثة عقود هي ما سمي ب «الديمقراطية التوافقية». حيث إن أي قرار صادر من السلطة التنفيذية أو التشريعية لا يمكن أن يسلك طريقه للتنفيذ إذا اعترض عليه مكوّن طائفي كبير، لاسيما من الموارنة أو السنة أو الشيعة. لذلك كان على النواب المنتخبين أو الحكومة التي تمثل كل الطوائف أن تعمل على إصدار قراراتها حتى في قضايا صغيرة وتافهة بالتوافق بين المكونات الطائفية الكبرى. وإذا لم يتوصل ممثلو الطوائف الكبرى إلى توافق لا يصدر القرار وتتعطل مسيرة البلاد، ولا يصار إلى انتخاب رئيس للجمهورية، ولا إلى تشكيل حكومة جديدة؛ بل أحياناً إلى عدم إجراء انتخابات نيابية.

 تذهب البلاد بعد أسبوع إلى انتخابات نيابية وسط انقسام حاد على أساس طائفي وسياسي. فريق مدعوم من محور إيران وسوريا وفريق مدعوم من محور الولايات المتحدة. ومع أن الكفة تشير إلى رجحان مرشحي المحور الأول، فإن فوز أي فريق بالغالبية لا يعني الاستقرار والانتعاش الاقتصادي في لبنان. ومن يراهن من أي فريق أو دولة على ذلك يكون لا يعرف لبنان ولا بنيته ولا تركيبته. لأن «المعجزة» البائسة المتمثلة بالديمقراطية التوافقية سوف تعطل أي محاولة للتفرد بالسلطة من جانب أي فريق.

 الأمر الوحيد الذي يجذب الانتباه في هذه الانتخابات هو أن مرشحي المحور الثاني يرفعون شعار إسقاط سلاح حزب الله ومرشحي المحور المدعوم من إيران وسوريا. ومع أن هذا الأمر أكبر من طاقة لبنان على حسمه، فإن الخاسر الوحيد والأكبر سيكون المواطن اللبناني الذي دهسته المنظومة الحاكمة بفسادها وسرقت ماله وأفقرته كما لم يفقر شعب في العالم، وجعلت الكهرباء تأتي بالكاد ساعة أو ساعتين في اليوم، وجعلته يتسول على قارعة طرق الخارج. وهي المشكلة التي لا يبحث فيها المرشحون الذين يتحدثون كأن شيئاً لم يحدث في السنتين الأخيرتين من انهيار تاريخي لا مثيل له في العالم، لتتحول الانتخابات إلى سيرك تهريجي وليس من يحاسب ولا يحزنون.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"