استفزازات الغرب

00:22 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

يبدو أن الغرب مصرّ على توجهاته العدائية اللامتناهية لروسيا، التي أخذت على عاتقها فرض نفسها بالقوة، في إطار السعي للشراكة في النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وبينما تقرع موسكو طبول الحرب، فإن خصومها لا يزالون يصبون الزيت على النار، ويمارسون أفعالاً تعتبرها روسيا استفزازاً لا يمكن السكوت عنه، لتتخذ قراراً بقصف قوافل الناتو التي تقدم أسلحة لكييف.

 أعداء روسيا لم تمنعهم الحرب الدائرة رحاها الآن، من إعادة حساباتهم في التعاطي مع «الدب»، الذي عزم على ردع محاولاتهم للتدخل في شؤونه، وإفشال الحصار العسكري والسياسي والاقتصادي عليه. فالدول الأوروبية إلى جانب الولايات المتحدة، غير عابئة بالتهديدات؛ بل إنها تتخذ مواقف ارتجالية في معظمها وغير محسوبة، فهي من جهة متخوفة من امتداد الحرب، وتحاول بكل السبل حصرها فقط في أوكرانيا، ثم من جهة أخرى، تواصل مد كييف بالأسلحة، كما يعزز الناتو حدوده الشرقية بالعتاد والجنود، ويتصرف كما لو أنه في حالة حرب.

 التعاطي الغربي مع الأزمة يدل على التخبط وعدم وجود سياسة موحدة وخطة للتعامل معها، ويظهر ذلك مؤخراً مع تصاعد الخلاف بين دول الاتحاد الأوروبي حول العقوبات على روسيا، التي ترفض بعضها زيادة الضغط على موسكو والتخلي عن مصادر الطاقة القادمة منها، ما اضطر القارة العجوز إلى تقديم استثناءات، تعفي دولاً من تبني العقوبات. كما أن أوروبا تواجه مشاكل عميقة في إدارة الأزمات، وعدم القدرة على المناورة للخروج بأقل الخسائر الممكنة، فالانقسام السياسي بين دولها جعل القارة كلها تدور في الفلك الأمريكي. وعندما كانت روسيا تطالب بضمانات أمنية قبيل شن عمليتها في أوكرانيا، لم تستجب أمريكا لمطالبها؛ بل قادت حملة شعواء عليها وأجبرت أوروبا على المضي معها في هذا الصراع، لتضطر روسيا فيما بعد لخوض الحرب.

 لا شيء يمنع موسكو من الضرب بقوة، فعندما نفذ صبرها بعد تهديدات استمرت لسنوات، خاضت حربها ضد أوكرانيا، وأيضاً عندما ترى أنه لا مناص من توسيع الحرب، فإنها ستقدم على ذلك، فهي تضع أسلحتها النووية على أهبة الاستعداد، وما زالت توجه رسائل صارمة، منها الاستعراض بطائرة «يوم القيامة» التي تستخدم لنقل القادة الروس أثناء الحروب الطاحنة، وإجراء الاختبارات الصاروخية الفتاكة القادرة على حمل رؤوس تحمل في قلبها الدمار الشامل، إضافة إلى تعهد بوتين بتقديم رد «سريع وصاعق» في حال تدخل خارجي في النزاع، في إشارة ضمنية إلى الأسلحة النووية التكتيكية التي تعتبر العقيدة العسكرية الروسية أنه يمكن استخدامها لإجبار الخصم على التراجع.

 مراهنة الغرب على الصبر الروسي، ليس في مكانه، لأنه في لحظة حاسمة قد تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه، وعندها سيكون العالم أمام حرب شاملة لا يرغبها، فنزول الغرب عن الشجرة، والتفاهم مع روسيا، سيكون هو المخرج الوحيد لتبريد الجبهات، لأن غير ذلك يعني الفناء.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"