رجل «الإخوان» الغامض والصفقة المستحيلة

00:21 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبدالله السناوي

بدت الرسالة السياسية، التي أطلقها يوسف ندا، مفوض السياسة الخارجية السابق للتنظيم الدولي ل«الإخوان المسلمين»، مثيرة بتوقيتها وسياقها للتساؤل عما يريده بالضبط من طلب الحوار مع «رأس السلطة في مصر».

 هو رجل اكتسب أدواره وأوزانه في كواليس الاستخبارات الدولية المعتمة، يعتبر نفسه رائد البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، اتهمه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش عام 2001 بأنه أحد ممولي الإرهاب الدولي، جرت تحقيقات في التهم المنسوبة إليه، وجرت حمايته بصورة أو أخرى.

 يؤيد من يعرفون ب«إخوان لندن»، الذين يترأسهم إبراهيم منير القائم بأعمال مرشد الجماعة مع من يطلق عليهم «إخوان إسطنبول»، الذين يتزعمهم محمود حسين أمين عام الجماعة السابق.

 المعنى – هنا - أنه يتحدث باسم «إخوان لندن»، أو بالتنسيق الكامل معهم، وربما يكون قد جرى استطلاع رأي قيادات الجماعة من خلف قضبان السجون.

 تنبئ رسالة «الرجل الغامض»، حسبما يوصف في وسائل الإعلام العربية والدولية، في توقيتها وسياقها عن محاولة لتدارك أوضاع الانقسام الفادح في بنية الجماعة خشية غيابها النهائي عن المشهد المصري في ظل تراجع الغطاء الإقليمي، الذي وفر لها بأوقات سابقة أموالاً مفتوحة وملاذات آمنة، كما روح اليأس التي نالت من قواعدها بأثر الفضائح المالية التي تشبه قصص «المافيا الإيطالية» بين جبهتي «لندن» و«إسطنبول».

 قد يوحي نص الرسالة بأننا أمام تحول في نظرة الجماعة إلى نظام الحكم الحالي، أو طلباً للمشاركة في الحوار الوطني، الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي «دون استثناء أو تمييز»، في إفطار العائلة المصرية لمواجهة أخطار وتحديات المرحلة المقبلة.

 وقد توحي بمحاولة استبيان حدود ما قصده الرئيس المصري في مراجعاته لما جرى قبل 30 يونيو، وإذا ما كانت تنطوي على فرصة ما تفسح المجال لفتح صفحة جديدة تعيد دمج الجماعة في الحياة السياسية المصرية.

 «سأظل أقول إن بابنا مفتوح للحوار والصفح بعد رد المظالم». كانت صياغة، ندا، مقصودة بالتباساتها، نصفها الأول - يخاطب السلطة بحديث «الباب المفتوح»، ونصفها الثاني- يخاطب قواعد الجماعة بحديث «الصفح بعد رد المظالم».

 «رد المظالم» قيمة إنسانية مطلقة بقدر ما تكون حقيقية لا مدعاة، فيما «الصفح» يفترض أن يكون صاحبه في موقع قوة.

 لا يتوقع أحد أي رد على رسالة يوسف ندا، ولا أن توجه أية دعوة لممثلين عن الجماعة إلى الانخراط في الحوار الوطني المزمع.

 أزمة «الإخوان» مع المجتمع ومؤسسات القوة فيه وعبورها ليس ممكناً بأي مدى منظور، أو متوسط.

 الإفراج عن غير المتورطين في الدم حق إنساني وقانوني وإعادة دمجهم في حركة المجتمع كمواطنين توجه لا يصح الممانعة فيه، أو الاعتراض عليه. ذلك التوجه يستدعي مقاربات جديدة، أكثر عدلاً وإنسانياً واحتراماً لحقوق المواطنين السلميين طالما لم يتورطوا في عنف أو إرهاب.

 عودة الجماعة قضية مختلفة تماماً. بقوة الحقائق الماثلة فإن الحوار غير ممكن والصفقات مستحيلة.

 لم تكن تلك المرة الأولى، التي يطلب فيها ندا باسم الجماعة الحوار مع نظام الحكم، فقد أطلق دعوة مماثلة إثر إطلاق ما سميت ب«الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» قبل عشرة أشهر.

 في المرتين لم يكن يطلب حواراً بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما كان يبحث عن صفقة ما تعيد الجماعة بصورة أو أخرى إلى المشهد السياسي المصري.

 الجماعة لا تحاور، ولا تلتزم وعودها؛ بل تعقد الصفقات على حساب أية قيمة، كالتي أعقبت عودتها مطلع سبعينات القرن الماضي لضرب القوى الناصرية واليسارية في الجامعات المصرية، التي كانت تمثل صداعاً سياسياً للرئيس الأسبق أنور السادات. أو مثل التي جرت في الانتخابات النيابية عام 2005، التي مكنتها من حيازة 88 مقعداً مقابل تفاهمات مع نظام مبارك أحجمت بمقتضاها عن خوض الانتخابات بقائمة مشتركة مع الجبهة الوطنية، التي كان يترأسها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عزيز صدقي.

 في ربيع 2008 جرت اتصالات في سويسرا بين حسين سالم، الذي كان يوصف بأنه «الصديق الأقرب للرئيس المصري في ذلك الوقت حسني مبارك، مع يوسف ندا «الإخواني» العتيد، استهدفت باعتراف ندا نفسه في حوار صحفي منشور ب«المصري اليوم»، دعم صعود جمال مبارك وتصحيح العلاقة بينه وبين جماعة «الإخوان» المسلمين. الاثنان سالم وندا عملا – معاً - في كثير من الصفقات الدولية، وهما صديقان شخصيان على صلة وثيقة.

المفارقة لم تكن قابلة للتصديق للوهلة الأولى، لكنها علاقات المصالح والبيزنس والصفقات التي تجبّ أية اعتبارات أخرى.

 لم تكن الصفقة بين الوريث المحتمل والجماعة كل أهداف ندا، فقد كان يريدها مدخلاً لإغلاق ملفه القضائي في مصر، فهو محكوم غيابياً بعشر سنوات في قضية «خيرت الشاطر وإخوانه» قبل أن يتم إغلاقها في فترة حكم «المجلس العسكري» أعقاب ثورة «يناير» مباشرة.

 كانت مشكلة نظام مبارك أنه لم يحاول إصلاح بنية النظام من داخله وإرساء قواعد دولة مدنية حديثة فأفسح المجال لاستيلاء الجماعة على الحكم كله.

عند سقوط نظام مبارك لم تكن هناك أحزاب وقوى مدنية مهيأة لكسب الانتخابات التي تلت «يناير».

لم يكن الحجم الذي أخذته الجماعة بعد «يناير» تعبيرًا عن قوتها بقدر ما كان انعكاساً لضعف الآخرين. هذا ما لا يصح أن يتكرر مرة أخرى.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"