عادي

فرويد.. 50 عاماً من البحث في أسرار النفس

سعى إلى فهم الأسس الأولية للسلوك الإنساني
22:29 مساء
قراءة 3 دقائق
2101

القاهرة: «الخليج»

حاول الناس على مر العصور أن يقفوا على أسرار النفس، وأن يتفهموا ما تنطوي عليه من البواعث، التي تظهر آثارها في رضا المرء عن حياته أو شقائه بها، وفي إقباله على العمل والحياة على اختلاف وجوهها وما تعج به من ضروب الكفاح والإنتاج، كما جاهدوا في سبيل الكشف عما يؤدي إلى ما ينتاب الإنسان من ألوان العلل، التي يظهر بعضها على البدن، ويظهر بعضها الآخر على العقل فيلتاث.

تاريخ الفكر الإنساني مفعم بالنظريات التي ذهب إليها البشر منذ أقدم ما عرفت الحضارة، وما من شك في أن أحداً من مفكري العالم في تاريخه الطويل لم يوفق في الكشف عن مجاهل النفس الإنسانية في الصحة والمرض، إلى مثل ما وفق إليه فرويد (1856 – 1939) واضع التحليل النفسي، فهو أهم العلماء الذين توفروا على دراسة النفس الإنسانية دراسة علمية، قضى فيها سنوات يعالج المرضى، ويجاهد في سبيل الكشف عن أعماق النفس، وما تنطوي عليه من أخيلة وأفكار، تؤدي آخر الأمر إلى كثير مما يصدر عن الإنسان من سلوك رفيع أو وضيع.

اعتراف العالم

يوضح كتاب فرويد «ما فوق مبدأ اللذة» ترجمة إسحق رمزي والصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع، أن فرويد قضى ما يقرب من خمسين سنة باحثاً دارساً مستقصياً مظاهر النفس الإنسانية، حتى استطاع أن يظفر باعتراف العالم كله بفضله، وداعياً إلى إقامة «التحليل النفسي» صرحاً من صروح العلم الحديث، وأصبح خير طريقة لعلاج الأمراض النفسية وبعض الأمراض العقلية، بل لعلاج طائفة من الأمراض البدنية التي تصدر عن النفس لا البدن.

كان كل رأي جديد يعلنه فرويد على الناس يقابل بالاستنكار والمعارضة والسخرية والتشكك، غير أن الأمر كان ينتهي المرة بعد المرة إلى هدوء العاصفة، وإلى تحول المعارضة إلى نقيضها، وإلى قبول حجته الرصينة وزيادة تقبل آرائه والاعتراف بنظرته الثاقبة.

أشكال التفكير

كان أهم ما استغرق فرويد من الناحية النظرية هو التعرف إلى الأسس الأولية للسلوك الإنساني، تلك الأسس الفطرية التي تسبق كل تعلم، يولد بها الإنسان، وتنطوي عليها نفسه، فتدفعه إلى كثير مما يصدر عنه من ألوان المشاعر وأشكال التفكير ومظاهر العمل والسلوك، ولم يكن فرويد وحيداً بين علماء النفس في الاهتمام بذلك الجانب من البحث، فقد انصرف أكثر العلماء المعاصرين إلى دراسة تلك الدوافع الفطرية عن طريق الملاحظة والنظر والتجريب. ودار نقاش طويل حاد بينهم عن تعريفها وتحديد مداها وتفنيد أشكالها، وكثرت المناقشات حول طبيعة هذه الدوافع وأصولها، واختلفت الأسماء التي أطلقت عليها فسميت بالغرائز والميول والحاجات والحوافز، لكن الواقع أن أكثر الخلاف كان لفظياً كما كان أهمه يدور حول عدد هذه الدوافع ومدى تأثيرها في سلوك الكائن الحي.

كانت فكرة الغريزة أساسية لتفسير السلوك، رغم ما يوجد من بعض الخلاف على مدى سيطرتها وتغلغل أصولها، ولم يكن فرويد يعتبر أن بحثه في الغرائز هو المهمة الأساسية التي أخذ على عاتقه القيام بها في حياته العلمية، التي كانت تهدف إلى تفسير بعض الظاهرات النفسية المعينة التي كانت تحيره، وتجتذب انتباهه، تلك كانت على الأخص الاضطرابات النفسية والأحلام، وكانت دراساته للغرائز أول الأمر دراسة جانبية اعترضت أبحاثه ثم أخذت شيئاً فشيئاً تستغرق انتباهه واهتمامه، ولم يشرع في بناء نظرية محددة المعالم إلا بعد ما يقرب من 30 سنة من البحث المتصل.

الحفاظ على الذات

ورغم أن بحوث فرويد كانت تدور حول الغريزة إلا أنه لم يغفل أن هناك ناحية أخرى في النفس تنصرف إلى المحافظة على الذات والكفاح في سبيل الحياة، فأقام مجموعة أخرى من الغرائز هي غرائز الأنا، وقرر أن الأساس في الأمراض النفسية هو الصراع الذي يقوم بين الميول الجنسية وبين ما تفرضه الأنا، وإذا به يخرج على الناس في عام 1914 بكتاب به حل لهذه المشكلة هو «ما فوق مبدأ اللذة».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"