وطن يتسع للجميع

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

إذا كانت مصر قد اختارت إطلاق جمهورية جديدة، أو ثانية، خلال المرحلة المقبلة، فهي بذلك تختار أن يكون مستقبل الدولة المصرية يختلف عن الماضي، الماضي تحققت فيه إنجازات وارتكبت فيه خطايا، والجمهورية الجديدة ينبغي أن تبني وتضيف إلى ما تحقق من إنجازات وتصحح الأخطاء وتتجنب الخطايا. 

الجمهورية الجديدة لن يتم إطلاقها إلا بعد أن تكتمل ملامحها التي بدأ العمل عليها منذ سنوات، وحتى تكتمل الصورة فلا بد أن يتزامن مع الإطلاق، إصلاح سياسي كان مؤجلاً خلال الفترة الماضية حتى تنهي الدولة حربها ضد الإرهاب، وتستكمل ترتيب البيت من الداخل، وتفرق بين معارضة سعت إلى هدم الدولة ورفع السلاح في وجه المدنيين العُزّل ورجال الجيش والشرطة، وقتلت واستباحت وأشاعت الرعب في قلوب الناس، وسعت إلى خلق الفتنة والفوضى، وبين معارضة أخرى لها رأي مختلف ولكنها لا تستهدف إيذاء الوطن ولا المواطن، يمكن أن تتحاور بالعقل وتستخدم المنطق وتنتقد بهدف الإصلاح، هو فرز بين من يعارض للوطن ومن يعارض الوطن. 

القاعة التي أقيم فيها حفل إفطار الأسرة المصرية أواخر رمضان، كانت بملامح الجمهورية الجديدة، فمصر المستقبل ستحتضن جميع أبنائها ولن تفرّق بين مواطن وآخر على أساس الانتماء السياسي أو الطبقي أو الوظيفي، مثلما احتضنت هذه القاعة ممثلين عن كافة الفئات والقطاعات، ومنها رموز معارضة اعتقد كثيرون أنهم لن يظهروا في المشهد ثانية. 

مصر الجديدة تتسع للجميع، والخلاف فيها لا يفسد للوطن قضية، فهو وطن للجميع، وطالما حرص الجميع على مصالح هذا الوطن العليا، فمن حق كل صاحب رأي أن يقول كلمته، ومهما كانت الآراء والكلمات متباينة المصطلحات والمضمون إلا أنها جميعها ستصب في صالح الوطن. 

الرئيس السيسي أعلن خلال الإفطار، إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، للإفراج عن سجناء الرأي الذين لم يرتكبوا عنفاً ولم يسعوا إلى هدم الدولة، كما دعا إدارة المؤتمر الوطني للشباب لإدارة حوار سياسي تشارك فيه مختلف التيارات حول ملامح وأولويات العمل السياسي. 

قرارات عديدة أعلن عنها الرئيس المصري بشأن إصلاح سياسي بدت بشائره بالإفراج عن مئات المعتقلين خلال الأيام الماضية، وقرارات تدعم الإصلاحات الاقتصادية، وتمهد الطريق أمام القطاع الخاص ليسهم في نهضة صناعية منتظرة، وليكون أكثر فاعلية. 

ومثلما حياة الأفراد مراحل، فحياة الدول أيضاً مراحل، ومصر الجديدة على أبواب الميلاد، بعد أن تم تمهيد الطريق لها بالإصلاحات الاجتماعية التي تضمن عدداً من المبادرات الرئاسية لتحسين حياة المواطنين مثل 100 مليون صحة، والقضاء على «فيروس سي»، ومشروع التأمين الصحي وتطوير التعليم، وتاج هذه الإصلاحات هي مبادرة حياة كريمة، التي بدأ تنفيذها قبل الإعلان عنها، بدأت منذ تولي السيسي المسؤولية بالقضاء على العشوائيات والمناطق الخطرة، حيث تم هدم هذه المناطق ونقل سكانها إلى مساكن جديدة آدمية توفر لهم حياة كريمة وتكفل لهم مختلف الحقوق المكفولة لغيرهم، واليوم تمتد أيادي التطوير إلى الريف المصري لتغيير ملامحه وتحويل حياة أكثر من نصف المصريين إلى حياة كريمة تتوافر فيها مختلف المرافق والطرق الممهدة التي تضمن لهم سرعة ويسر التنقل. 

وإلى جانب الإصلاح الاجتماعي، اتخذت مصر قرارات صعبة للإصلاح الاقتصادي تحملها المواطن الحالم بدولة مختلفة، وشهدت المؤسسات والهيئات الدولية للاقتصاد المصري ومعدلات التنمية فيه، وتجاوزت تبعات أزمة كورونا لتأتي أزمة الحرب الأوكرانية وتلقي بظلالها على الاقتصاد المصري، شأنه شأن اقتصادات الدول المختلفة. 

الإصلاح السياسي تستكمل به مصر مثلث ملامح الجمهورية الثانية، وتبدأ به صفحة جديدة بعد سنوات كان الهّم الأكبر فيها هو قهر الإرهاب ومطاردة الإرهابيين الذين كانوا يحاصرون الدولة من أربع جهات الأرض، ويستهدفون كل مدنها ومؤسساتها ومساجدها وكنائسها وأهلها وزوارها ومعالمها السياحية. حرب شاملة خاضتها كلفت الدولة خلال 84 شهراً، 84 مليار جنيه، واستشهد خلالها 3277 بطلاً من الجيش والشرطة، وأصيب ما يزيد على 12 ألفاً. فاتورة صعبة على الاقتصاد وعلى الشعب، ولكن كان لا بد من دفعها للحفاظ على الوطن ضد محاولات جماعات ودول رصدت الكثير والكثير لهدم مصر، وكأنهم لا يقرأون التاريخ ولا يعرفون أن مصر عصية على السقوط، وأن رمالها تضم عظام كثيرين ممن حاول النيل منها.

[email protected] Gmail.com

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"