عادي

أسباب فشل تجربة «التنوير»

ضعف النخب أدى إلى تراجعها وتواريها
22:59 مساء
قراءة 3 دقائق
5

القاهرة: «الخليج»
أصدر الدكتور أحمد محمد سالم كتابه «صورة الآخر في الفكر العربي» عن دار مصر العربية للنشر والتوزيع، مؤكداً أن مفاهيم التنوير الأوروبي أدت إلى إحداث هزة عنيفة في الفكر العربي الحديث، حيث قام المفكرون العرب على إثرها بالنقاش العميق حول كيفية الاستفادة من هذه المفاهيم.
لكن على الرغم من الجدل الدائر بين تيارات الفكر العربي المختلف إلا أن الفكر العربي الحديث لم ينجح في إرساء مقولات التنوير الغربي في ثقافتنا، وهذا يجعلنا نبحث عن أسباب إخفاق الفكر العربي في تأصيل مقولات التنوير الأوروبي في ثقافتنا المعاصرة.

يوضح الدكتور سالم أن المفكرين العرب قاموا بنقل مفاهيم التنوير الأوروبي وترويجها في الثقافة العربية فوق بنية تقليدية متخلفة، ولم يع أغلب هؤلاء المفكرين أن التنوير يبدأ أولاً من خلال تحديث البنية التقليدية على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تقف حائلاً دون تجذير مفاهيم التنوير في ثقافتنا، لهذا بدت محاولات التنوير مجرد ترويج قشري للمقولات الغربية دون الوعي بخصوصية البناء التقليدي للمجتمع العربي، وخصوصية المقولات التنويرية الغربية، ذلك لأن هذه المقولات بزغت في الثقافة الغربية بعد جهود عديدة من المفكرين والفلاسفة الغربيين، تجاوب معها الواقع، وتجاوبت هي مع الواقع ليتم بذلك تنوير عصر بأكمله في أوروبا، وإرساء مواقف جديدة للعقل الأوروبي إزاء مفاهيم التنوير.

يشير الدكتور سالم إلى أن الاستعمار الأوروبي للعالم العربي أحد الأسباب الرئيسية لإخفاق حركة التنوير العربية لأن الاستعمار يستنزف أموال الشعوب العربية دون عائد حقيقي على هذه الشعوب على مستويات التعليم، وغيره من مجالات الحياة، كما كان من مصالح المستعمر استمرار البناء التقليدي للمجتمع على ما هو عليه، وعلى هذا الأساس كان المستعمر يشجع الطرق الصوفية، ما يقف حائلاً دون تنوير الشعوب العربية، حتى يستمر هو، وتستمر هي تحت وطأة استنزاف الاستعمار.

كان الواقع الاقتصادي – كما يرى الدكتور سالم – أحد أسباب فشل تجربة التنوير العربية، لأن النظام الإقطاعي السائد في أغلب أقطار الدول العربية في تلك الفترة، كان في يد حفنة تملك كل شيء، وكان أغلب أفراد الشعب يعملون تحت يد هذه الحفنة، فكانت هذه الحفنة تحصل على كل شيء، وأغلب الشعب لا يحصل على شيء، سواء في التعليم أو الصحة، بل في أغلب حقوقه.

يؤكد الدكتور سالم أن قوة البنية التقليدية للمجتمع وقوة التوجهات المحافظة، إضافة إلى عدم قدرة النخبة على الحسم في عرض مفاهيم التنوير، كل هذا أدى إلى انتشار ظاهرة الردة الفكرية أو الترحال الثقافي إلى جانب السلفية، ولعل هذا ما يفسر لنا تراجع طه حسين وإسماعيل مظهر وقاسم أمين، بل إن التوجهات الليبرالية والعلمية التي تتسم بالتقدمية، كانت تحمل في طياتها عناصر الردة، وهذا ما نلاحظه في موقف قاسم أمين من قضية حرية المرأة، وخوفه من الدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة في التعليم، ومحاولة التصالح مع البنية التقليدية.

يوضح الدكتور سالم أن التنوير يبدأ من قراءة عقلية للتراث وليس من خلال تأسيس التجربة الغربية عندنا، وعلى هذا الأساس بدأ الفكر العربي مع النصف الثاني من القرن العشرين في إعادة قراءة التراث وتأسيس المفاهيم العقلانية في حياتنا، وذلك لأن الفكر العربي أدرك أخيراً أن النهضة لابد لها أن تنتظم في تراثنا وهويتنا مع ضرورة الوضع في الاعتبار أهمية تخليص التراث ذاته من العناصر المتخلفة والخرافية التي تعوق تقدم العقلانية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"