نحو نظام إقليمي عربي جديد

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

من أشد الصفات السلبية للنظام الإقليمي العربي الحالي، ممثلاً في مؤسسة القمة العربية، وما يتبعها من تنظيمات الجامعة العربية، السياسية والأمنية على الأخص، أنه يظل يدور في حلقة ردود الأفعال المؤقتة العابرة تجاه ما تواجهه هذه الأمة من تحديات ومشاكل وجودية كبرى. وفي الأغلب لا تتعدى ردود الأفعال تلك، دعوة لاجتماع مندوبين أو وزراء يعقبها إصدار بيان، ثم يترك الأمر لكل دولة عضو أن تتصرف حسب إمكاناتها، وأحياناً مزاجها المملوء بالأخطاء.
نذكر بهذه الصفة المتجذرة المفجعة بمناسبة الوقوف المتفرج لمؤسسة القمة العربية وأجهزة الجامعة العربية تجاه التغيرات الهائلة والأخطار الكبرى التي تطرحها الحرب الجارية منذ أكثر من شهرين في أوكرانيا وتبعاتها في العالم كله، بما في ذلك الوطن العربي.
 الكثيرون يتحدثون عن أن عالماً جديداً سيولد في المستقبل القريب، مهما تكن نتائج تلك الحرب الجنونية. فمنذ الأسبوع الأول من تلك الحرب كانت الدراسات والتوقعات ساطعة إلا، كما يبدو، عند أصحاب القرار في مؤسستي القمة والجامعة. ترك الأمر لكل دولة كي تتصرف حسب مصالحها الآنية، مع أن الأمر يهم الكل، وسيؤثر عميقاً في مستقبل الجميع.
 أقل ما كان منتظراً هو أن تطلب مؤسسة القمة من الجامعة العربية الدعوة لاجتماع يضم عدداً من مفكري ومحللي السياسة العرب، مع بعض من ذوي الخبرة السياسية الناضجة المشهود لهم بالعمق والاتزان، ليتدارسوا أمر الظاهرة الدولية الجديدة من جميع وجوهها، تاريخياً، وملابسات قديمة وحديثة سبقت الظاهرة، وما يمكن أن تعنيه مستقبلاً بالنسبة للأمة العربية وبالنسبة لتوازنات المنطقة العربية، وخصوصاً ما يتعلق بإسرائيل والدول الإقليمية الطامعة، ثم وضع مجموعة من الخيارات الحيادية المستقلة التي يمكن أن تتبعها الأمة العربية تجاه تلك الحرب وأطراف الصراع، وتجاه كل سيناريو مستقبلي محتمل.
 على ألا يترك ذلك التقرير في الأدراج، كما جرت العادة، وإنما ينعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب، لتدارسه ووضع مقترحات للقمة بشأن ما جاء فيه من أفكار وتوصيات، يتبعه اجتماع قمة لرؤساء الدول، ليتخذوا قرارات بشأن ما يهم الأمة العربية وما يجنبها المزالق بالنسبة لحاضر ومستقبل ما يجري في أوكرانيا.
 هل يعد هذا شيئاً كثيراً؟ أبداً، فلقد تعاملت مؤسستا القمة والجامعة من قبل، عندما كانت فيهما حيوية وقيادة، بما يقرب من هذه الجدية والمسؤولية تجاه قضايا تقل في تشابكها وأخطارها عما تحمله الحرب الأوكرانية من تغيرات هائلة في المسرح الدولي.
 غياب الجدية والموقف العربي الواحد المشترك قاد في الشهرين الماضيين إلى أشكال من الابتزازات والضغوط الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية، وإلى ضبابية في العلاقات العربية – الروسية المستقبلية، وإلى تفاقم في العديد من المشاكل المعيشية اليومية في كل الوطن العربي، وإلى خلافات وتباينات في وجهات النظر القُطرية، بسبب عدم دراسة الموضوع من وجهة نظر عربية شاملة مشتركة.
 وإذا استمر التعامل مع هذا الموضوع بهذه الخفة، فإن نتائج ما قد تأتي به حرب أوكرانيا مستقبلاً قد تفاجئ النظام القومي الإقليمي العربي برمته، وتسهم في زيادة الخلافات العربية العبثية، وتؤثر سلباً في العديد من التوازنات الإقليمية والميزات الاقتصادية والجيوسياسية التي يتمتع بها الوطن العربي.
 لقد ثبت بصورة قاطعة، خصوصاً في السنوات القليلة الماضية، حاجة النظام الإقليمي القومي العربي إلى إجراء مراجعة لتاريخه الحديث المتعثر، وإلى وضع أفكار استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية تنموية تعاونية جديدة، لمواجهة الحرائق التي اشتعلت في طول الوطن العربي وعرضه، وبالذات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والتنمر الإقليمي الجديد، والجنون الإرهابي، لكن مؤسسة القمة العربية فشلت في أن تقوم باستجابة تاريخية لتلك الحاجة. الحرب في أوكرانيا وتبعاتها وتحدياتها تطرح وتضاعف تلك الحاجة من جديد.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"