تسكت العصافير في الخليج

02:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

ليحزن الحبر ويحني برأسه ما شاء وليشهق فوق صفحات دفتري أو أمام شاشتي. 

 له الحق، بل كامل الحق بأن يجتهد وينخرط معزّياً في تراثٍ نقيٍّ من النصوصٍ والقصائد وكلمات مؤاساةٍ وتعازٍ خليجية ولبنانية (أضع خطّاً تحت كلمة لبنانية للتعزية بالحبر الأسود القاتم المقهور)، وعربية وعالمية. إنها مقاربات لتراثٍ رحب وشريف صادق نتابعه أمامنا جميعاً في وسائل التواصل دامغاً عصر الإعلام بالمشاركات الصادقة، ومختصراً الأسباب والصفات التي قيلت وتُقال وستُقال وكُتبت وتُكتب وستُكتب في رحيل رئيس دولة الإمارات الشقيقة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رحمات الله على روحه الطاهرة. كان لا بدّ لي من أخذ حبري بيديه كي يستيقظ نحو لحظة خاصة خالدة أرغب بتدوينها فوق صفحات «الخليج».

 صحيح أنّ رئيس دولة الإمارات، رحمه الله، انتمى إلى الجيل نفسه الذي انتميت إليه شخصيّاً، وصحيح أنني كنت أعرفه قبل عقود، فقد وُلدنا للمصادفة في العام نفسه 1948 وهو العام التاريخي المدموغ في ذاكراتنا جميعاً دولاً وأفراداً وأجيالاً عرباً ومسلمين، لكنّ الواقع أنّه التاريخ الذي حفر أسساً، واختصر نقاء جيلٍ جليل كبير له سطوره وحضوره وعروقه النافرة الباقية أبداً في مقدمات يقظة العرب ونهضة الخليج وفي مقدمها الإمارات العربية، وبالضبط فكرة التمكين والتحديث التي تقفّى معالمها وجهد في تنفيذها القائد الراحل وتابعناها وتناولناها نماذج قبل عقدٍ في محاضراتنا الجامعية ومنتدياتنا، ودعونا وندعو بالحبر الملآن للاقتداء الدائم بها في عمران الأوطان.

 لماذا؟ لأنّ الأوطان لا تنمو وتتحضّر وتكبر وتزهو إن لم يسكن مخيلات حكّامها فكرة التحديث وتطوير المجتمعات التي سكنت فقيد العرب وهي كما هو مشهود مستمرة من بعده قطعاً بإذن الله لأنّ الأزمنة لا تنقطع بذخائر حكامها وحكمتهم.

 نعم كنت أعرف يقيناً وتماماً هذا الأمر الذي كان يغريني ويجذبني أكاديمياً ومتابعةً وكتابةً نحو الإمارات العربية المتّحدة بين الماضي والحاضر الذي يتطلع دوماً إلى ملامح ترقب المستقبل ورسمه وتحقيقه. ومع أنّني شددت على حبري في مسألة «المجايلة»، مع الراحل الكبير المولود في قلعة، نعم قلعة بل قلاع المويجعي في مدينة العين، إلاّ أنني أودّ التركيز على نعيه كاتباً عبر زقزقة العصفور الأزرق لتسكت أسراب العصافير كلّها: «فقدت الإمارات ابنها البار وقائد مرحلة التمكين وأمين رحلتها المباركة... مواقفه وحكمته وعطاؤه ومبادراته في كلّ زاويةٍ من زوايا الوطن».. هذا صحيح صحيح.

 لماذاً أيضاً؟ لأنّ حاكماً من طرازه بقي يعيش في ال(أصبح) ويعشقها ويتطلع اليها دون التنكّر للماضي الجليل لكنّه، لطالما شغف بالمستقبل والحاضر وملامحه وإنجازاته وكأنّ الغد هو الصديق بل الحلم الدائم الذي أرضاه وارتاح إليه إذ لا تشبعه المختصرات واللمح الماضية في عالمٍ خليجي يدهشٍ الدنيا يعجّ بالتحوّلات الجديدة والنجاحات بما يبقيه وكأنّه في فضاءات الإبداع والتغيير والتقدم والتطوير والتأليف والتعبير.

 أتطلّع بسعادة لأن تختفي ال«كان» عند تناول الراحل الذي تابعناه رائداً عربيّاً عرف كيف يبرم المفتاح الذهبي في باب الخليج العربي الأوّل ويصقله بالذهب المرصّع ومظاهر العمران على المستويات التي ولّدت وتولّد الأحلام والأضواء الباهرة لتنحني أمام التاريخٍ شيماً من التواضع في رسم القيادات حيثما كانت نحو المسار الصحيح الشاق جدّاً ليكون لدولته ما شاء من الحصاد. أراه حاملاً جواز سفره العربي والوطني روحاً صالحة وخالدة ومرتاحاً باعتبار أنّ سيرته تُكمل طريقها المعبّدة في الذاكرات والتواريخ والإنجازات المتوالية، عبر حاكم أبوظبي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد.

 الصلاة لروحه في صفوف الأنقياء الأطهار الذين عرفوا ويعترف بل ينطق بعرقهم وسهرهم ونجاحاتهم رمل الصحراء، ذلك قبل أن يصبح خليجاً وجنائن خضراء مزدانة بالزهور والسعادة المفروشة أمام الأجيال المتنوعة المشارب والمذاهب ينعم فيها ويعمل فيها أولادنا وأحفادنا.

 اسألوا حبّة الرمل التي تختارونها من حولكم في الثرى نزولاً إلى رمالنا البكر، تجدون الجواب نفسه تمكين الأصالة والعدالة والإيمان قبل تفجّر اللغة فوق ألسنتنا وأقلامنا ومختصره: هنيئاً لك فوق التراب وتحته وقد فاضت الروح أنموذج عطاءات.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2e5yfuds