فقيد الوطن والإنسانية

02:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

ببالغ الحزن والأسى تلقى شعب الإمارات، أمس الجمعة، خبر وفاة الراحل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراه. حق للدموع أن تذرف، وللقلوب أن تحزن، فقد فجع الوطن بموت القائد الشيخ خليفة، فكانت الفاجعة عظيمة، والخطب أكبر من أن يحتمل. 

  طوفان من الحزن يجتاح قلوب الإماراتيين والمقيمين، تراه في وجوم الكهول وغصة العجائز، في عبرات النساء. حزن عميق تفيض به وجوه الصغار البريئة، وترى أثر الفقد في كل مدينة وشارع وبيت. 

  لقد بكت الإمارات زعيمها، بكت رجلاً ليس كالرجال، وفارساً ليس كالفرسان، قائداً تربى على معاني الوطنية. وخلال تنقله في مختلف المسؤوليات التي تنقل بها، فقد عُرف بمواقفه الإنسانية؛ فأعان اليتيم، ومسح دموع الفقراء، ورسم الابتسامة على وجوه المحتاجين.

   كان أُسوةً في البرّ والإحسان، محباً لأبناء شعبه، عطوفاً على صغيرهم وكبيرهم، متابعاً لاحتياجاتهم. إنه صاحب القلب الكبير، ورجل الدولة والمهام السياسية الوطنية.   

  بعد رحيل الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وقف بقوة وتحمل المسؤولية، وسار في اتجاه إكمال مهمة البناء. وفي عهده الميمون، خطت الإمارات خطوات كبيرة وحققت الكثير من الإنجازات التي لا مجال لذكرها هنا. لكن ما يمكن الحديث عنه هو هذا الاستقرار السياسي الذي لا مثيل له، والذي عاشت فيه الإمارات، والذي هو أصدق تعبير عن التلاقي والتماهي بين الشعب والقائد.

    لم يبخل الشيخ خليفة يوماً– رحمه الله- على أبناء شعبه، بل كان يسعى لتحقيق السعادة لكل المواطنين، ولم يكن يسمح بالظلم مطلقاً، بل أعلى من سلطة القانون على أية سلطة أخرى حتى يتحقق العدل بين كافة الناس. وكان- طيّب الله ثراه- يتابع بنفسه كافة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ويعطي التوجيهات ويتابع تنفيذها. كم سهر وتعب حتى يرتاح أبناء شعبه. وأراد أن تكون الإمارات واحة للتسامح بين كافة البشر دون تمييز بين الطوائف، فأباح لأتباع الأديان الأخرى حرية العبادة.

    وإذا كان عهد زايد هو عهد التأسيس، فإن عهد خليفة هو عهد التمكين. لقد استقرت دولة الإمارات على منهاج البناء المتواصل، والسير نحو تحقيق الأهداف المرتجاة. وفي جميع الحقول كان هناك تقدم وازدهار؛ فقد زادت قوة ومتانة الاقتصاد الإماراتي، وزادت نسبة الاستثمار الأجنبي الذي يساهم بقوة في الرخاء الاجتماعي، كما زادت نسبة المتعلمين والمتخرجين في المدارس والمعاهد والجامعات، حتى حققت الإمارات الاكتفاء الذاتي في أغلب المجالات التي تحتاج إلى الكفاءات العلمية المدربة. وفي المجال العمراني، اتسع نطاق البناء وزادت كفاءته. ويعد برج خليفة في دبي رمزاً لتفوق الدولة العمراني الذي حدث في عهد خليفة.

  إن شعب الإمارات لن ينساك أيها الراحل الكبير، لن ينسى عظيم حبك وتفانيك، لن ينسى أياديك البيضاء التي زرعت أرض الوطن قوة ومنعة. رحمك الله أيها الراحل الكبير. لكن إيماننا بقضاء الله وقدره، لا نملك معه إلا أن نقول إنّا لله وإنّا إليه راجعون. 

    رحمك الله يا خليفة الخير والوفاء صاحب القلب الكبير ورجل الوطنية والإنسانية، وأدخلك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وعزاؤنا في فقدك ذكراك العطرة، وسيرتك الخالدة التي سُطرت في عقولنا، قبل أن ترسخ وتثبت في قلوبنا. 

   لن نقول وداعاً لمن بقيت أعماله وإنجازاته وذكراه الطيبة شواهد راسخة على بقائه وخلوده.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/mrybuhsf