لبنان.. الانتخابات والطائفية

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

زحف اللبنانيون أمس الأول إلى صناديق الاقتراع لانتخاب نوابهم ال (128) الجدد، القدامى، تحت شعار «التغيير»، على أمل الخروج من محنتهم ويأسهم والهاوية التي أوقعهم فيها أهل النظام من قادة الأحزاب والطوائف.

 لكن أي تغيير يرتجى وكل المتصارعين على المقاعد النيابية- باستثناء قلة قليلة - كانوا شركاء في عمليات النهب والإفقار وإفلاس البلد، والغش والأكاذيب والتدليس، وسرقة تعب الناس ورغيفهم وحبة الدواء؟

 القلة القليلة، التي وصلت  إلى البرلمان، أعجز من أن تفعل شيئاً يعطي أملاً للناس، لأنها مقيدة ومحاصرة بنظام طائفي سميك يستطيع أن يصدّ كل موجات التغيير ويقطع أنفاسه.

   صحيح أن الاقتراع عملية ديمقراطية، وهي حق يمارسه الشعب في إطار من الحرية ، للتعبير عن إرادته الحرة في اختيار من يمثله، لكن في لبنان، هناك «ديمقراطية مطيفة» متغلغلة في أعماق المجتمع، نتيجة نظام قام على هذا الأساس منذ ولادته، وترسخ مع الأيام، وتُرَسخه الآن أكثر فأكثر قيادات سياسية طائفية حتى النخاع، بحيث أصبحت الطائفية ولاء سياسياً وأيديولوجياً، وصارت الطائفة والحزب تمثيلاً لهوية واحدة، بعدما باتت جزءاً من ممارسات الناس اليومية. ولذلك لا نلاحظ خلطاً بين الطائفة والحزب فقط ، بل دمجاً بين الطبقة والطائفة والمنطقة، وهذا هو الأسلوب الذي يلجأ إليه السياسيون لتعبئة جماعاتهم.

 في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 نزل آلاف اللبنانيين إلى الشوارع احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية، ورفضاً للطبقة السياسية الفاسدة، ووصفت يومها هذه التظاهرات بأنها عابرة للطوائف، ومتمردة على إرث الحرب الطائفية، وداعية لقيام لبنان الجديد العلماني غير الطائفي والديمقراطي الحقيقي، لكن سرعان ما تسلل الخطاب الطائفي إلى المشهد عندما نزل جزء من جمهور الأحزاب الطائفية إلى الشارع، وتحول شعار «كلن يعني كلن» إلى كذبة، وضاع الأمل بالتغيير.

    وسط فحيح الطائفية الذي يزكم الأنوف زحف اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع، من دون أن يسألوا المرشحين، أياً كانوا: وماذا عن أموالنا المسروقة من المصارف؟ وماذا عن الخبز الذي صار يابساً، والليرة التي ذابت، والدواء والراتب والاستشفاء، وكتب الأولاد والمدارس والجامعات؟ وكلها صارت من الكماليات التي لا طاقة للفقراء عليها، وأغلب اللبنانيين صاروا فقراء، ومع ذلك يتوجهون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم بفرح لمن أذلّهم وسرق لقمة عيشهم، وكذب عليهم بأن الطائفية هي الوطن وحامي الحمى.

   غريب أن ينسى اللبنانيون وهم يدلون بأصواتهم بأن الورقة التي وضعوها في الصندوق بكامل إرادتهم ووعيهم الطائفي، تحمل أسماء يعرفونها تماماً كانت شريكة في إفلاس البلد وإذلالهم، واغتيال شوقهم للتغيير، وهي الآن تدّعي الطهر ونظافة اليد والقداسة.

 إنه النظام الطائفي العقيم الذي لن ينتج إلا نواباً طائفيين، وقيادات طائفية، وإرادة شعبية مزورة. فالطائفية والديمقراطية ضدان لا يلتقيان. والنتائج التي أعلنت رسمياً رسمياً هي الشاهد والدليل.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"