عادي

التكفير.. فكر منحرف

المسلم لا يفتش في الضمائر
23:03 مساء
قراءة 5 دقائق

القاهرة: بسيوني الحلواني
حذر الأزهر الشريف من أحكام وفتاوى التكفير التي عادت لتطل برأسها من جديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي في بعض البلاد العربية عن طريق أشخاص يجهلون أبسط تعاليم وأحكام الشريعة الإسلامية، ويرمون بالكفر كل من يختلف معهم، أو يفعل سلوكاً لا يروق لهم أو يتبنى فكرة تخالف هواهم. وأكد الأزهر خطورة الحكم بالكفر على مسلم لمجرد الاختلاف معه في أمر من الأمور الدينية أو الحياتية، مشدداً على أن الانزلاق إلى هذا السلوك يجرّ على مجتمعاتنا مخاطر كبيرة. وطالب بالاختلاف الصحي ومواجهة الرأي بمثله والفكر الخاطئ بالصحيح، فهذا هو الأساس الذي قامت عليه الدعوة الإسلامية منذ انطلاقها.

قال الأزهر: إن التكفير وجماعاته جرّوا على مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة مصائب كثيرة، وكل مزاعم التكفيريين مرفوضة في ميزان شريعتنا الإسلامية. وطالب علماء ودعاة الإسلام أن يكون لهم دور في مواجهة هذا الفكر المنحرف الذي يتبناه متشددون ويبثون سمومهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت ستار الدفاع عن الدين الإسلامي وهم أبعد الناس عن الإسلام وتعاليمه الصحيحة.

1

كيف يرى العلماء عودة فتاوى التكفير من جديد؟ وماذا يترتب عليها من مخاطر على المجتمع الإسلامي كله؟

يؤكد الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، خطورة القول بتكفير مسلم، ويقول: هذا شأن التكفيريين الذين استحلوا لأنفسهم اغتصاب سلطة ممنوحة للخالق وحده، وهى سلطة التكفير.

ويضيف: التكفير حق الله، سبحانه وتعالى، وحده، وليس للأفراد، علماء أو غير علماء، الحكم بكفر إنسان، بل هذا الأمر الخطير هو مسؤولية ولي الأمر داخل الدولة الإسلامية، ويمثله الآن القضاء؛ فالقضاة المؤهلون هم أصحاب الصلاحية بعد توافر الأدلة والبراهين الكافية لثبوت خروج المسلم عن دين الإسلام، ووفقاً لشروط إثبات، وشروط نفى لابد من توافرها، بمساعدة العلماء.

ويحذر شيخ الأزهر من انطلاق أحكام التكفير على ألسنة بعض الدعاة أو أدعياء التدين في بلادنا العربية، ويطالب بمعاقبة كل من يفتي بكفر مسلم استناداً إلى فكره واجتهاده الشخصي، لأنه بفعله هذا يرتكب جرماً في حق خالقه، بانتزاع أمر اختص به نفسه، وفي حق الشخص الذي نعته بالكفر، والمجتمع كله؛ إذ يهدد أمنه وسلامته بهذا الزعم المكذوب، ومن هنا فهو أهل للعقاب الرادع حتى يكون عبرة.

ويشدد د. الطيب على أن موجات التكفير التي يموج بها العالمان العربي والاسلامي لا تستند إلى نصوص شرعية صحيحة، ولا اجتهادات فقهية سليمة، وأن التكفيريين الذين يستندون إلى فتاوى ابن تيمية ظلموا الرجل وهو برىء من جرائمهم وأقوالهم القبيحة. ويقول: الشريعة الإسلامية احتاطت جيداً في مسألة التكفير لخطورتها على المجتمع كله، والعلماء أكدوا أن من ينطق بما يدخله في دائرة الكفر وهو جاهل بحقيقة ما يقول لا يعد كافراً، ذلك أن العلم والاختيار أمران أساسيان في الحكم على كفر إنسان من عدمه، لذلك لابد من ترك هذا الأمر الخطير لأهل الذكر وهم هنا القضاة بمساعدة العلماء الذين يقفون على حقيقة ما صدر عن الإنسان، ومدى إدراكه لما يقول.

قضية خطيرة

د. نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر الأسبق، يتفق مع شيخ الأزهر في أن التكفير قضية خطيرة يجب أن يحذرها عامة الناس، وأن يترك الكلام فيها للقضاة والعلماء لأنهم الأدرى بها. ويقول: نظراً لخطورة هذا الأمر لا تجد عالماً يتورط في القول بكفر إنسان، ويخوض في هذا الأمر كما يفعل الجهلاء الذين يرمون من يختلف معهم بالكفر فيقعون في المحظور، ويعرضون حياة الناس للخطر.

وعن حقيقة الكفر، يقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: هو في اللغة يحمل معنى التغطية والستر، وفى الاصطلاح ما يضاد الإيمان من الأقوال والأفعال والاعتقادات، فالكفر يكون بإنكار القرآن الكريم، أو تكذيب الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، وعدم الإيمان بما يجب الإيمان به، من وجود الله ووحدانيته، وبما يجب له من صفات الكمال والجلال، وأيضاً الإيمان بالعقائد السماوية الأخرى.

ويوضح د. واصل أن كلمة كفر قد تكون لها عدة معانٍ، وأن لكل منها آثارها وأحكامها، وأن تحديد المراد من اللفظ لا بد منه لإمكان الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح، وأن استعمال معنى مكان آخر قد تترتب عليه آثار خطيرة؛ منها إخراج الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر... وما أخطر أن يُرمى مسلم بالكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان.

ويضيف: هناك كفر لا علاقة له بعقيدة الإنسان، ويعنى عدم شكر النعمة، وهو مجرد معصية تعالج بالأسلوب الذي تعالج به المعاصي الأخرى على ضوء قوله تعالى:«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

أما كفر العقيدة فهو، حسب واصل، نوعان: أحدهما كفر لم يسبقه إيمان، والواجب علينا دعوة الكافر إلى الإيمان، فإن أسلم فبها ونعمت، وإن أبى تركناه وحاله. والنوع الثاني من كفر العقيدة كفر سبقه إيمان، ويسمى «ردة»، والواجب حيال المرتد استتابته على النحو الموضح في كتب الفقه، وهذه مسؤولية العلماء أو القضاة، وليست مسؤولية الأفراد حتى لا تعم الفوضى في المجتمع.

ويوضح أنه قد يتصرف الإنسان بما نراه مخالفاً لتعاليم الدين وثوابته فنحكم بكفره وهذا خطأ أيضاً، لأن القرائن الظاهرة لا تدل يقيناً على ما في القلب، فأكثر دلالتها ظنية، والإسلام نهى عن اتباع الظن في أكثر من نص في القرآن والسنة، وطلب الحجة والبرهان على الدعوى خاصة في أمور العقيدة.

لا تعامل بالشبهات

د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يحذر بدوره من الانزلاق إلى هوة التكفير، ويقول: الإسلام يرفض التعامل مع الناس بالشبهات أو المزاعم الكاذبة، وهذا واضح من قوله سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في التحذير من تكفير الناس: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» وفي رواية أخرى:«أيما امرئ قال لأخيه يا كافر باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً:«ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بجهل...».

ويوضح د. كريمة أن الكافر الحقيقي هو الذي ينعقد قلبه على الكفر، ويقتنع به ولا شبهة له، وهنا يقول الحق في شأنه:«ولكن من شرح بالكفر صدراً، «أي اقتنع به واستراح له. أما من يسلك سلوكاً مخالفاً لتعاليم الإسلام فلا ينبغي أن يتورط أحد ويقول بكفره، فقد يكون جاهلاً بالأحكام الصحيحة، أو اختلط عليه الأمر، أو عاصياً نتيجة معلومة خاطئة، أو شبهة تسربت إلى عقله ويحتاج إلى مراجعة، وهذا شأن كثير من الذين نراهم على غير هداية الإسلام.

وينصح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر بعدم التفتيش في ضمائر الناس، ويقول: الحدود في شريعتنا الإسلامية تُدرأ بالشبهات، ومنها عقوبات لا تصل إلى درجة القتل، ولذلك لا ينبغي لأحد أن يتعجل بالحكم على رجل بالكفر دون تأكد من ذلك.

دلائل

يعتبر الشيخ سعد الفقي، من كبار دعاة وزارة الأوقاف المصرية، أنه من الخطأ التسرع والحكم بكفر إنسان لمجرد أن نرى منه بعض المخالفات والتجاوزات الشرعية، موضحاً أن الكفر، كما قال علماء الإسلام، هو عدم الإيمان بما يجب الإيمان به، ويتحقق بجحد عقيدة سماوية، أو بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة، وحرمة القتل، واستباحة محرمٍ مُجمع على تحريمه كالزنا، وتحريم حلال أُجمع على حلّه كتناول الطيبات.

ويضيف: جحود وإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة أمر باطن لا يطلع عليه الآخرون، ولا يمكن أن نقف عليه إلا بما يدل عليه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"