عادي

الصومال.. هل تدخل عصر السلام؟

00:42 صباحا
قراءة 4 دقائق
حسن شيخ محمود (يمين) يحتفل بفوزه في الانتخابات مع الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو بمعسكر هالان العسكري بمقديشو (أ ب)

د. أميرة محمد عبدالحليم*

بعد ثلاثة عقود من انهيار الدولة الصومالية لا تزال تدور فى حلقة مفرغة من الأزمات الهيكلية. ربما تعود بعض أسباب هذه الأزمات للاطماع والتدخلات الخارجية، إلا أن تطورات الأحداث تؤكد أن عوامل عدم الاستقرار تنتج في المقام الأول من فشل الساسة الصوماليين في الوصول إلى توافق سياسي وتحقيق الوحدة المنشودة.

تعبّر الأزمة السياسية الأخيرة التي تعيشها الصومال منذ عام 2018، ووصلت إلى مراحل خطيرة في عام 2021 عن هذه الرؤية، حيث اتجهت لجنة الانتخابات لتأجيل الانتخابات البرلمانية، وتبعته محاولات مستميتة من الرئيس محمد فرماجو لتمديد فترة رئاسته للدولة، ما أدى إلى بروز العديد من الانقسامات والاستقطابات، ووصلت الأزمة إلى الجيش، وتعددت الولاءات في ظل احتدام الصراع على السلطة بين الرئيس فرماجو، ورئيس الوزراء حسين روبلي، واستمرت هذه الأزمة في إنتاج مؤثراتها الضارة على الاستقرار والأمن إلى أن تمكن الصوماليون، وبعد ضغوط دولية، من إجراء الانتخابات البرلمانية في إبريل/ نيسان 2022، وتبعها تنفيذ الاستحقاق الرئاسي في الخامس عشر من الشهر الحاري الذي أسفر عن فوز الرئيس الأسبق للصومال، حسن شيخ محمود، بفترة رئاسية جديدة.

ومع اختيار نواب البرلمان الصومالي للرئيس الجديد برزت توقعات مختلفة حول مدى قدرة الرئيس الجديد على التعامل مع التحديات التي تعيشها الدولة الصومالية، تلك التحديات التي تفاقمت على نحو كبير خلال العامين الأخيرين، وكذلك استعداد القوى الوطنية للتعاون مع الرئيس الجديد، فضلاً عن مدى اهتمام القوى الدولية والإقليمية بدعم الاستقرار في الصومال خلال المرحلة الراهنة.

مهام صعبة

ينتظر الرئيس حسن شيخ محمود سلسلة من الملفات التي تحتاج إلى التعامل معها ومعالجتها، ومن أهم هذه الملفات محاولة تسوية الأزمات التي أسفر عنها تطبيق النظام الفيدرالي في البلاد، حيث فرضت القوى الاستعماريةن وكذلك قوى إقليمية هذا النظام الذي يتطلب شروطاً غير متوافرة في الواقع الصومالي، كما أن الصومال يشهد انقسامات إدارية أملتها الظروف السياسية في البلاد، فضلاً عن تقنين نظام المحاصصة القبلية، حيث يتم توزيع الثروات والحقائب الوزارية بالصيغة القبلية التي جعلت العمل السياسي بيد السلطة السياسية للقبيلة التي تستأثر بنفوذ الدولة ومكاسبها وأموالها، وتتصاعد في ظل هذا النظام المشكلات السياسية بين الولايات والحكومة المركزية، حيث تتجاهل الولايات هذه الحكومة، وتسعى للاستئثار بحكم أقاليمها، وتتعامل باعتبارها دولة مستقلة عن الصومال، كما يتقارب حكام بعض هذه الولايات مع بعض الدول الإقليمية، حيث يسعى هؤلاء الحكام إلى تحقيق مصالح هذه الدول التي تتعارض في أحيان كثيرة مع مصالح الدولة الصومالية.

وإلى جانب مشكلات النظام الفيدرالي، هناك مشكلات سياسية أخرى لا تقل خطورة، من أهمها الفشل في تحقيق الوحدة والتوافق السياسي بين الصوماليين، فالفصائل السياسية تبحث عن مصالحها، وما ستحصل عليه من السلطة، بغضّ النظر عما يمثله التناحر السياسي من تأثيرات ضارة في مصالح الدولة الصومالية ككل.

الإرهاب

وعلى جانب آخر، تظل المعضلة الأمنية أحد أهم الملفات التي تبحث عن رؤى وخطط فعالة لمعالجتها، خاصة مع التصاعد غير المسبوق لعمليات «حركة شباب» الإرهابية التي عملت، خلال العامين الأخيرين، على استغلال التوترات والاحتقان السياسي في تدعيم عملياتها، والعودة إلى عدد من المدن التي خرجت منها، واستمرت في استهداف المسؤولين في الحكومة، والسياسيين، إلا أنها كثفت من عملياتها ضد القوات الإفريقية وكان آخر عملياتها تفجيرات في وسط العاصمة أسفرت عن مقتل 48 شخصاً في مارس/ آذار الماضي، واستهداف للقوات الإفريقية فى مايو/ أيار الجاري، أسفر عن مقتل عشر جنود بورنديين، حيث تتزايد قوة الحركة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وتمكنها من استقطاب الشباب الصومالي.

الجفاف

يضاف إلى هذه الملفات ملف إنساني في غاية الأهمية يرتبط بما تتعرض له الصومال من موجات الجفاف تنذر بكارثة إنسانية خطيرة، حيث تمثل الموجة الجديدة من الجفاف الأصعب منذ أربع عقود، في مجتمع يعتمد على الزراعة وتربية الماشية، وتتعرض الكثير من الأراضي، للجفاف كما نفقت أعداد هائلة من الماشية.

وسيترتب على هذه الأزمة تيارات من النزوح الداخلي تصل إلى 1.5 مليون شخص، وفق الأمم المتحدة، في الوقت الذي لا يزال الدعم الدولي من المانحين لا يتجاوز 2 % من الاحتياجات المطلوبة لمواجهة هذه الموجة من الجفاف.

وتتطلع الصومال خلال المرحلة الراهنة وعقب اختيار رئيس جديد للبلاد، إلى زيادة الدعم الخارجي على كل المستويات، خاصة في ما يتعلق بمواجهة الجفاف، وكذلك الإرهاب، إذ صوّت مجلس الأمن في مطلع إبريل/ نيسان 2022 بإجماع أعضائه على تشكيل قوة جديدة تابعة للاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الصومال، تتمثل مهمتها في مكافحة إرهاب حركة الشباب حتى نهاية 2024. وحلت القوة الجديدة التي أُطلق عليها اسم «أتميس» محل القوة السابقة «أميصوم» (مهمة الاتحاد الإفريقي في الصومال)، ويبلغ عدد أفراد هذه القوة الجديدة 20 ألف عسكري وشرطي ومدني، وسيخفض بشكل تدريجي إلى الصفر بحلول 31 ديسمبر/ كانون الأول 2024.

كما اتخذ الرئيس الأمريكي، جو بايدن وبعد ساعات من اختيار الرئيس الجديد للبلاد، قراراً بنشر قوات أمريكية مرة أخرى في الصومال لمكافحة الإرهاب، حيث تسبب انسحاب القوات الأمريكية وتقليص أعداد القوات الإفريقية في الصومال في تزايد قوة حركة الشباب.

وعلى المستوى الإقليمي يبدو أن الاضطرابات التي تعيشها العديد من دول القرن الإفريقي، وتحديدا إثيوبيا والسودان، لن تسمح لها بتقديم الدعم المناسب للصومال، حيث تركز الدولتان على مشكلاتهما الداخلية، فضلاً عن التوترات التي تشهدها من حين لآخر العلاقات الصومالية الكينية حول الحدود البحرية، أما دول الشرق الأوسط، ومن بينها دول الخليج، فيبدو أنها ستسعى إلى تقديم الدعم الإنساني للصومال، من دون التدخل في شؤونه الداخلية. أما تركيا فلن تظل بعيدة عن المشهد الصومالي، فعلى الرغم من حرص الرئيس أردوغان على إعادة انتخاب الرئيس الصومالي السابق فرماجو لحماية المصالح التركية في الصومال، يسعي لتطوير علاقات أنقرة مع الرئيس الجديد حسن شيخ محمود، حيث تعمل القاعدة العسكرية على تدريب كتائب من الجيش الصومالي وكذلك الشرطة الصومالية، وتقدم أنقرة أسلحة متطورة للصومال.

* خبيرة الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"