عادي

فنلندا والسويد.. ساحتان جديدتان للصراع

00:35 صباحا
قراءة 4 دقائق
القوات الموالية لروسيا في دونتسك تنقل احد جرحى الجيش الاوكراني من مصنع اوزفستال للصلب في ماريبول(رويترز)

كتب - بنيمين زرزور:

يكشف تسارع الأحداث في المواجهة الدائرة بين روسيا والغرب عن فصل جديد في أسس الأمن الأوروبي تكتب فيه اتفاقية هلسنكي لعام 1975 عنوة، بينما تفتح كل الأبواب على صراع قد لا ينتهي لاستحالة الحسم العسكري.

معلوم أن هاجس الخوف الروسي من تمدد حلف الناتو شرقاً كان ولا يزال المحرك الرئيسي للحرب في أوكرانيا، ومن ثم صارت قاعدة لخطط الأمن الاستراتيجي الاستباقية سواء على صعيد القارة التي «لم تعد عجوزاً» ومن ورائها واشنطن، أو على صعيد الاستعدادات والتحالفات الروسية تحسباً لما قد تؤول إليه تطورات الصراع المتفاقم.

وقد قيل الكثير عن أهمية انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو الذي كان كفيلاً بنجدة الحلف لها، واليوم تعيد دول أخرى التفكير في حياديتها التاريخية. وتتصدر فنلندا والسويد القائمة؛ حيث ينتظر ضم كلا الدولتين إلى الحلف هذا الصيف. وقد تقدمت فنلندا التي ترتبط مع روسيا بحدود تزيد على 1300 كيلومتر بطلب العضوية فعلياً، وسط تشجيع بعض دول الحلف خاصة ألمانيا، بينما اتخذت حكومة السويد قراراً يوم الإثنين الماضي بتقديم طلب الانضمام.

وكان طبيعياً أن يثير ذلك غضب موسكو التي حذرت من أن الخطوة لن تمر دون رد فعل سياسي. وقال بوتين خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفنلندي سولي نينيستو، إن إنهاء الحياد العسكري لفنلندا سيكون «خطأ»؛ حيث لا يوجد أي تهديد لأمن فنلندا. وأكد مسؤول في وزارة الخارجية الروسية أن انضمام فنلندا والسويد للحلف لا يخدم مصالحهما، وإنما سيؤدي إلى عسكرة الشمال، مشيراً إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن نشر روسيا لأسلحة نووية في منطقة البلطيق.

اجتماع أطلسي

وسيلتقي وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في العاصمة الألمانية برلين لبحث استراتيجيتهم طويلة المدى بشأن روسيا، بحضور فنلندا والسويد المرشحتان للانضمام إلى الحلف؛ حيث من المتوقع أن تشارك وزيرة خارجية السويد آن ليند ووزير خارجية فنلندا بيكا هافيستو في الاجتماع.

وخلال الاجتماع الذي سيعقد على مدى يومين والذي تستضيفه وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ويحضره وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، سيتم إطلاق المرحلة النهائية من المفاوضات بشأن المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو، ووثيقته الإرشادية للسنوات المقبلة.

لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن بشكل مفاجئ عن موقف بلاده الرافض لهذه الخطوة، وقال: «نتابع التطورات فيما يتعلق بفنلندا والسويد، لكننا لا نراها من منظور إيجابي لأن الدول الإسكندنافية أصبحت دور ضيافة للمنظمات الإرهابية، مثل حزب العمال الكردستاني». وفي حال عارضت تركيا الانضمام حتى النهاية فقد تعطله نظراً لأن قرارات الناتو تقتضي إجماع الأعضاء كافة.

رد فعل موسكو

ويشكل تخلي فنلندا والسويد عن وضع الحياد الذي حافظتا عليه طوال الحرب الباردة، أحد أكبر تحولات الأمن الأوروبي منذ عقود. و قد اعتبره الكرملين تهديداً مباشراً لروسيا وتوعدت برد يتضمن إجراءات «عسكرية تقنية» لم يحددها، لكن مسؤولين روس تحدثوا في السابق عن احتمال نشر صواريخ نووية في بحر البلطيق.

وقال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ إن الفنلنديين سيكونون «موضع ترحيب شديد» ووعد بعملية انضمام «سلسة وسريعة». وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه يدعم تماماً اختيار فنلندا الانضمام للحلف، ودعا الإثنين إلى إنشاء «منظمة سياسية أوروبية» لضم أوكرانيا خصوصاً، بالتوازي مع آلية ضمها إلى الاتحاد الأوروبي. وقال ماكرون إن الحلف الجديد سيسمح «للأمم الأوروبية الديمقراطية التي تؤمن بقيمنا الأساسية بإيجاد مساحة جديدة للتعاون السياسي والأمني».

وتنطوي هذه الخطوة على مخاطر كبيرة على موسكو، خاصة إذا ما وضعت صواريخ أو أسلحة متطورة للناتو في السويد وفنلندا ما يعني أن الحلف بات موجوداً في الجبهات والحدود الغربية الروسية.

ويجرى تدعيم الجبهة الشرقية للحلف تباعاً؛ حيث أنشئت مجموعات قتالية زودت بسلاح وعناصر أمريكيين للدفاع، ليس فقط من خلال البحر الأسود، لكن أيضاً بحر البلطيق الذي يعد جزءاً من منطقة دفاع الناتو أمام أي هجمات روسية. وإذا ما استطاع الروس تحقيق انتصار في أوكرانيا تخشى فنلندا أن يتفرغوا لها وللسويد، والهاجس هو السيطرة على بحر البلطيق؛ حيث إن لدى الروس أسطولاً بحرياً كبيراً في المنطقة لذلك لن يسمح الناتو بأن يكون البلطيق حديقة خلفية لروسيا، إذا ما حرمت أوكرانيا من شاطئها وسيطرت على كامل المنطقة شرقاً.

وإذا ما ضم الناتو فنلندا والسويد سيكتمل الطوق الغربي على روسيا وبالتالي سيعاد تنشيط الدرع الصاروخي الذي أقر منذ 1990 ويشمل كل الدول الأوروبية الشرقية التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي وأصبحت جزءاً من الناتو، لذلك فإن التمدد إلى فنلندا والسويد سيحقق للناتو حماية قريبة لدول أوروبا الشرقية التي تخشى دائماً أن يعاود الروس احتلالها.

ويخشى الغرب من تصاعد التهديدات الروسية. فللمرة الثالثة خلال الحرب الأوكرانية يتطرق الروس إلى التهديدات النووية. لذلك فإن الدعوة الفرنسية لإنشاء منظمة سياسية أوروبية جديدة تضم أوكرانيا، تأتي بعد إجماع غربي بضرورة تعطيل القدرات العسكرية الروسية من خلال تجمعات وتكتلات سياسية.

وقد حافظت فرنسا بعد إعادة انتخاب ماكرون على القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع روسيا. لكن يحاول الرئيس ماكرون منذ فترة إقناع الألمان بأهمية وجود قيادة أوروبية عسكرية أنشئت بموجبها قوة مقاتلة من 5 آلاف عنصر لم تتوسع ولم تلق الدعم الكافي من باقي الدول.

ولا شك أن ضم أوكرانيا إلى هكذا قوة مقترحة يعني صداماً مع روسيا. ومعلوم أنه منذ ضم شيه جزيرة القرم عام 2014، تخضع القوات الأوكرانية لتدريبات مع الناتو في ألمانيا و قد شاركوا في عشر مناورات باستخدام أسلحة أمريكية وغربية.

المؤكد أن الروس لن يقبلوا بضم أوكرانيا لهذه المنظمة أو ضم فنلندا والسويد للناتو، ولن يقبلوا بمحاصرة روسيا بالصواريخ ضمن منظومة الدفاع الصاروخي ونشرها على مقربة من موسكو والشمال الروسي. وقد يدفع استمرار الاستنزاف الرئيس بوتين لإعلان التعبئة العامة والاستنفار واستدعاء احتياطي الجيش لتبقى رحى الحرب تصم الآذان.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"