دردشة في مفارقات التشدد

00:25 صباحا
قراءة دقيقتين

كيف تلقّيت الأوامر الأفغانية الأخيرة، بتغطية مقدمات البرامج التلفزيونية وجوههن؟ قضيّة في منتهى الأهميّة، لأن الأوامر لا تصدر كقوانين إدارية تنظيمية، بل كفتاوى باسم الإسلام، وإن كانت اجتهادات محلية، فالإسلام دين 1.5 مليار آدمي، وحين ينتشر الخبر في الأصقاع، يقول الذين لا يعلمون: «هكذا هو دين المسلمين، إنه يرى وجه المرأة عورة». بالمناسبة في بعض مناطق باكستان، يسمون المرأة «عورة».
أوامر السلطة الحاكمة هناك تقود الذهن إلى شؤون وشجون لا تحصى. حتى المضحكات كثيرة. مثلاً: لا يعقل أن يغطى الوجه كله، وإلاّ فلا معنى لشاشة التلفاز، والحلّ عندئذ أن تتكلم المذيعات من وراء الأستار كربّات الخدور. أضعف الإيمان بالبث التلفزيوني أن تُكشف العيون فقط. لكن، كيف يردّون على القائل: «عيون المها بين الرصافة والجسرِ.. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري»؟ وماذا عن القائل: «إن العيون التي في طرفها حورٌ.. قتلننا ثم لم يحيين قتلانا»؟ إلى «الموج الأزرق في عينيك يناديني نحو الأعمق»، إلى المجموعة الشعرية «عيون إلسا» للشاعر الفرنسي لويس آراجون. يكفي أنه لا يوجد شيء في الوجه يوصف بالسحر غير العيون. لا وجود لسحر الأنف والوجنتين والشفتين والذقن والأذنين. المفارقة الألذع هي أنهم إذا منعوا حتى ظهور العيون بتغطية الوجه كله، ولم يسمحوا بغير الصوت، فإن الردّ المناسب على هذه النظرة الاستهلاكية إلى المرأة، سيكون: «يا قوم أذني لبعض البث عاشقةٌ.. والأذن تعشق قبل العين أحيانا».
المأساة أدهى وأنكى، فالتعليم محظور على الفتيات بعد الإعدادية، فلا يعبرن إلى الثانوية. يعني: لا أستاذة جامعية، لا طبيبة، لا مهندسة ولا... أمّا الفنون فهي في نظرهم في نار جهنم خالدة. تُرى كيف يؤوّلون الحديث: «العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»؟ هم لا يدركون المفارقة، فمستوى الإعدادية لا يؤهل الفتاة حتى للتفقه في الدين، إذا كان هذا هو المطلوب دون كل التخصصات. أم أن المطلوب من البنات حفظ قصار السور للصلاة، لا غير؟ الإشكالية الأعجب، هي أن القوانين والأعراف الدولية لا تجيز (لغير الأقوياء) التدخل في شؤون البلدان الداخلية، فالأفغان أحرار في ديارهم، بالرغم من أن هذه السلوكيات المفرطة في التشدد «اجتهادات» محسوبة، لدى المغرضين وغير العارفين، على الدين الإسلامي، فضلاً عن الغرائبيات التربوية، الفكرية، الأخلاقية، الثقافية. تناقضات من الأفق إلى الأفق، لضيق الأفق.
لزوم ما يلزم: النتيجة السؤالية: هل من الرجولة أن يكون المجتمع رجولياً بغطرسة؟

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"