عادي

عصر انهيار الحكايات الكبرى

قراءات
23:00 مساء
قراءة 3 دقائق

القاهرة: «الخليج»

مع انهيار سور برلين في عام 1989 تأكد انتهاء الأيديولوجيات الكبرى، كما انقضى قبل ذلك أي أمل في التغيير، بعد فشل الثورة الطلابية التي اجتاحت العالم عام 1968. فقد كان ذلك العصر عصر انتهاء الحكايات والتفسير الحتمي الجاهز لحركة التاريخ، وكان الروائي الألماني أوفاتيم أحد الذين شهدوا انهيار الحكايات الكبرى، وفشل الرغبة في التغيير، ومثله مثل الكثيرين من الألمان، كان مهموماً بقضية التاريخ النازي لألمانيا، يحذر من تكراره؛ لأنه يرى أن النازية نظام يمكن أن يتكرر، إذا ما تكررت العوامل التي أدت إلى ظهوره.

عاصر أوفاتيم ألمانيا النازية عندما كان طفلاً، كما أن له أخاً مات في الحرب العالمية الثانية، بعد أن تطوع في القوات النازية بمحض إرادته، وقرر الكاتب الألماني الكبير أن يكتب عن تلك الفترة في حياته وحياة أخيه، بهدف أن يفهم ويدرك ما الذي يجعل شاباً في ريعان شبابه يتطوع بكامل إرادته في القوات النازية ليغزو بلاداً ويقتل أبرياء، ثم يصاب بعاهة شديدة ويموت بعدها بفترة قصيرة؟، ما الذي جعل هذا الصبي يفعل ذلك؟ وما الذي يجعل أبويه يباركان خطاه؟.

ويرى أوفاتيم أن المسؤول الأول عن خضوع الشعب الألماني للنظام النازي هو نسق القيم السائد الذي سمح باختيار هذا الحكم الشمولي منذ البداية، ومنع الناس من التمرد عليه، فالقيم التي كان يراها جيل الآباء الذين عاصروا الحرب، أو «جيل المذنبين» كما يطلق عليهم أوفاتيم، كانت تتمثل في الطاعة والولاء، واحتقار كل ما يشذ عن المجموع، والأهم من ذلك كله احترام أوامر من هم سلطة أعلى مثل الأهل والمدرسين ورجال الدين، فما فعله الابن ليس أكثر من الخضوع لنسق القيم التي شارك الجميع في تلقينه إياها: الأب والأم وكل المؤسسات.

يكتب أوفاتيم نصه «مثلا أخي» عن مرحلة من حياته، وقد ترجمته إلى العربية د. هبة شريف، ويقص فيه حياة الأفراد الذين عاصرهم، ويعرض خطاب كل منهم: الأب الذي تطوع مرتين في الحربين، ثم عمل في وظيفة لم يكن يحبها، وكان يعيش ظاهر الحياة فقط، وانتهى به الحال فقيراً، والأم التي صبرت على ذلك كله، ولم تتذمر أبداً، وكانت تعتقد أن الصمت والوقوف إلى جانب زوجها من أساسيات الحياة الزوجية، والأخت التي تنهار حياتها بسبب عدم قدرتها على الاعتراض على أبيها، عندما رفض زواجها ممن كانت تحب، وإلى جانب ذلك هناك أيضاً خطاب الكاتب الذي استطاع في ما بعد أن ينظر بعين النقد لكل هذا.

ويعتمد أوفاتيم على الذاكرة الخاصة، واستحضار تاريخه الشخصي، إلا أن التذكر في النهاية لا يضمن الحقيقة خالصة، فالذاكرة لا تحتفظ بكل التفاصيل؛ بل إنها تقوم أحياناً بطمس بعض الحقائق، لتظهر مشوشة مشوهة وأحياناً معدّلة، وبعض التفاصيل تضيع من الذاكرة إلى الأبد؛ أي أن الذاكرة تنتقي ما تتذكره، ولهذا السبب اختفت الحبكة من النص، ولم يتبع الزمن الخط المتنامي التقليدي. فالأحداث في النص هي لحظات يتذكرها الراوي بتفاصيل، قد لا تكون مكتملة كلها، من هنا جاءت الجمل في النص غير مكتملة أيضاً، وبعض الكلمات تتكرر في الجملة نفسها، فتلك هي الكلمات التي علقت بذاكرة الكاتب، وتلك هي الجمل التي ظلت ذاكرة الطفل محتفظة بها.

اختار أوفاتيم لسرد الأحداث موقف المراقب، على الرغم من أنه يسرد القصة بضمير «الأنا»، فهو من ناحية ضلع أساسي في الأحداث، لأنه يحكي عن حياته، لكن القصة ليست قصته وحده أو قصة أخيه، ليست سيرته، فهو عندما يكتب عن الآخر، يكتب بالضرورة عن الأب والأم والأخت، فيسرد الراوي الأحداث ويشرحها ويعلق عليها، ونص أوفاتيم في النهاية هو صرخة تحذير لكل المجتمعات البشرية من تكرار نظام النازية الذي لم يختلف تماماً عن المجتمعات الشمولية، وبقيت معه كل وسائله في تكريس الخضوع والانصياع والخوف والتسلل لجميع المؤسسات، بدءاً من الأسرة فالمدرسة فالمؤسسة الدينية فوسائل الإعلام فالخطاب الرسمي.

 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"