هل تتفكك مجموعة العشرين؟

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

لا جدال أن للتاريخ قانوناً يقول بأن كل انطلاقة تفضي إلى توحيد مجموعات من البشر في أمة، ذات مجتمع حضاري، تصنع من الأمة ومجتمعها دولة. وجملة القول إن الحركات التاريخية الكبرى تكون ذات شأن حضاري عندما ترتبط ارتباطاً وثيقاً برسالة ديناميكية تستخدم وتوجه طاقات الأمة اللاشعورية، وتجعل من الفعل تطلعاً إلى مستقبل لا غاية في حاضر.

 ويشكّل هذا العصر لحظة مفصلية في تاريخ التكتلات الاقتصادية والسياسية، باعتباره العصر الذي تميز بالتقدم العلمي والثورة الصناعية، وينظر إلى العقل العام باعتباره أداة لحركة الفعل، وباعثة على الفعل، وأنه جوهر التاريخ ويمد البشرية بالمعرفة وإدراك المعاني الكلية. ولا ريب أن الفيلسوف الاقتصادي البريطاني أدم سميث كان من أبرز المفكرين الذين دعوا إلى إعطاء الحرية للجميع وفتح الأسواق والدعوة إلى تعزيز التعاون بين الدول. 

 وقد كان ظهور مجموعة العشرين تعبيراً عن الرغبة في تحقيق الوحدة الاقتصادية بين مختلف بقاع العالم، كمنتدى دولي يجمع الحكومات، ومحافظي البنوك المركزية في 19 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي المنضم إليها كدولة واحدة. وكان الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو رغبة الولايات المتحدة والدول الغربية الفاعلة في تعزيز الاستقرار المالي العالمي، وقد ظهرت فاعلية هذه المجموعة عند حدوث الأزمة الاقتصادية الأمريكية، والتي تركت أثراً سلبياً في مختلف دول العالم نظراً لأن الاقتصاد الأمريكي هو قائد للاقتصاد العالمي، ومن ثم يؤثر في اقتصاديات العالم باعتبار الدولار هو العملة الرسمية لدول العالم في الاستيراد والتصدير والودائع وغيرها من العمليات الاقتصادية العالمية بين الدول.

 وقد عقد رؤساء دول المجموعة قمتين عام 2010 لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت قمم المجموعة تعقد بشكل سنوي على مستوى القادة، وعلى مستوى وزراء المالية ووزراء الخارجية. وتمثل دول المجموعة نحو 90 في المئة من إجمالي الناتج العالمي، ونحو 80 في المئة من حجم التجارة العالمية، وهي تمثل أيضاً ثلثي سكان العالم. وهي كلها من الاقتصادات المتطورة أو الناشئة. وعندما قامت روسيا بعملية عسكرية في أوكرانيا، دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إلغاء عضويتها في مجموعة العشرين على غرار إلغاء عضويتها في مجموعة الثماني عام 2014، بعد أن ضمت شبه جزيرة القرم إليها؛ حيث عادت تلك المجموعة إلى اسم مجموعة السبع الكبرى. وقد أيد رئيس الحكومة الفيدرالية في كندا جوستان ترودو، فكرة إخراج روسيا من مجموعة العشرين. وقالت إندونيسيا التي ترأس مجموعة العشرين، إنها ستظل «محايدة» وستوجه الدعوة إلى بوتين، بينما اعتبرت الصين أن بوتين يجب أن يكون له مكانه في القمّة المقرّر عقدها نهاية العام الجاري.

 وإزاء تضارب المواقف بين الأقطاب الدولية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ستستمر مجموعة العشرين قائمة أم أنه سيتم تأجيل عقدها أم سيتم حلها نظراً لانقسام أعضائها؟

الواقع أن هناك دولاً مؤيدة لروسيا داخل هذه المجموعة وهي دول بريكس (الصين، الهند، جنوب إفريقيا، والبرازيل). وقد أعلنت الصين موقفها، ومن المؤكد أن مواقف باقي دول «بريكس» لن تخرج عن الموقف الصيني، وبالتالي باتت دول الغرب اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تقبل بوجود روسيا في المجموعة مخالفة لمبادئها وإما أن تعلن حل المجموعة أو تأجيل اجتماعاتها لأجل مسمى، وربما، وهو حل مستبعد، إقصاء الأطراف المؤيدة لروسيا.

إن مجموعة العشرين ليست مثل مجموعة الدول السبع الكبرى، لأن هذه المجموعة الأخيرة تضم الدول التي تتفق سياستها مع السياسة الأمريكية، وبالتالي عندما قررت الولايات المتحدة إبعاد روسيا من هذه المجموعة لم يكن للقرار الأمريكي أية معارضة من قبل الدول الأخرى، أما مجموعة العشرين فهي تمثل طيفاً واسعاً من الدول في مختلف قارات العالم، وليست كل هذه الدول تأتمر بالأوامر الأمريكية؛ بل هي في غالبيتها تملك حرية القرار. ولذلك يبدو أن مجموعة العشرين ستتوقف، على الأغلب، عن الانعقاد، أو ستختفي من الوجود، لأن الوقت الحالي هو للسياسات المتطرفة، وليس للتسويات، فروسيا تقول إنه لا مجال لبقاء القطب الواحد في العالم، والقطب الواحد يقول لا مجال لحظوظ روسيا في النجاح والخلاص من براثن العقوبات. وربما لن تكون أوكرانيا سوى محطة في سلسلة من الحروب التي قد تتوالى مع اشتداد الصراع، الخفي والمعلن في بعض الأحيان، بين الجانبين، وصعوبة إنهاء ذلك الخلاف إلا بهزيمة أحد الطرفين أو اختفائه من الساحة كما حدث مع الاتحاد السوفييتي سابقاً.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"