عادي

ألمانيا.. شقيقتنا الثقافية

الدولة الضيف
23:53 مساء
قراءة 5 دقائق
10

القاهرة: مدحت صفوت

على الرغم من أن العلاقات العربية الألمانية تعود إلى وقت العصور الوسطى، وازدهرت خلال القرن التاسع عشر، فإن السؤال المشروع هنا: ماذا نعرف عن الثقافة الألمانية بعد كل هذه القرون؟ وكيف كانت جهودهم في دراسة الثقافة العربية؟

يأتي السؤال في الوقت الذي تتوسع فيه الأكاديميات الألمانية والمؤسسات الثقافية في العالم العربي؛ وذلك لتجسيد الشعار الذي تبناه العرب والألمان معاً «بناء الجسور»، وبتشجيع من قبل الحكومة الألمانية كجزء من استراتيجية تدويل التعليم العالي. وتحضر هنا جهود مؤسسة DAAD، الهيئة الألمانية للتبادل العلمي التي أُسست مطلع عام 1925 كمبادرة طلابية باسم هيئة التبادل الأكاديمي.

في مصر مثلاً، تتعدد المؤسسات الألمانية، فإلى جانب الجامعات، خاصة فروع جامعات «ميونخ التقنية» و«فيليبس ماربورج» و«برلين الحرة» بالقاهرة، تحل معاهد ومؤسسات أخرى، أشهرها معهد جوته، ومن بعدها مؤسسة روبرت بوش، والمعهد الألماني للآثار، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي، وجمعية فراونهوفر، ومؤسسة ألكسندر فون هومبولت، والمعهد الألماني للأبحاث الشرقية.

موضع قدم

في مقابل المعاهد الألمانية بالعالم العربي، يحاول العرب «وعلى استحياء» الحصول على موضع قدم «ثقافي» داخل الثقافة الألمانية، بخاصة بعد ما شهدته بعض الدول العربية منذ مطلع 2011، وحالات التدفق العربي إلى أوروبا، وفي القلب منها ألمانيا.

ومع قلة الوجود الثقافي العربي بألمانيا، يحاول الشاب السوري مهند القانوني، تعريف السكان المحليين بالعالم العربي، من خلال مركز ثقافي عربي أسسه في العاصمة برلين في 2017، باسم «بيناتنا.. Baynetna». وبعدما أصبحت برلين نقطة التقاء للمؤلفين والفنانين والموسيقيين السوريين، كان لابد من توفير «منصة»، فتعمل «بيناتنا» على استضافتهم وتنظيم الفعاليات وسط حشود من الجمهور العربي والألماني، وتبادل الأغاني بالألمانية والإنجليزية والعربية، ضمن استراتيجية تعمل بالأساس على تعايش سلمي للمهاجرين وسط أبناء البلاد الأوروبية.

أما بشأن معرفة العرب بالثقافة الألمانية، فيمكن القول باطمئنان إن الحضور الثقافي للألمان عند العرب «كبير ومتجذر»، ولا يكاد يخفى على القارئ تأثير عدد من الرموز الألمانية في الفنون والآداب العربية الحديثة، بدءاً من يوهان فولفجانج جوته «سفير الثقافة الألمانية إلى العالم» والمولع بالشرق وتأثره بألف ليلية وليلة في كتابي «نزوة العاشق» و«الديوان الشرقي الغربي».

ومن جوته نمر على «ريلكه» شاعر الوجودية الذي أقام في مصر أيام شبابه، وصرّح بأن مصر الفرعونية واليونانية والقبطية والعربية تمثل لقلبه وذهنه موطن الأحاسيس النادرة ومهبط الإلهامات الرائعة. ولا يقل عنه تأثيراً رائد المسرح الملحمي بيرتولت بريخت، خاصة في الخمسينات والستينات، عند سعد الله ونوس في الشام، ونجيب سرور في مصر، وعبد القادر علولة في الجزائر.

الأسماء الأدبية الألمانية كثيرة، منها فريدرش شيلر أول أديب ألماني تعرفه المكتبة العربية، وبالطبع جونتر جراس الحائز نوبل للآداب في عام 1999، ولا تقل الأسماء الأدبية عن المفكرين والفلاسفة الألمان الذين جسدوا حضوراً بارزاً في قلب المكتبة العربية، مثل إيمانويل كانط وهيجل وكارل ماركس وفريديريك أنجلز وشليجل وشوبنهاور وإدموند هوسرل ونيتشه ومارتن هايدجر وجورج جادامير، وأخيراً بيتر سلوترديك صاحب نظريات الفقاعة ومجتمع الرغوة والحظيرة البشرية.

بوابة

ولا يمكن أن يمر قارئ على بوابة ما بعد الحداثة دون التعريج على الأثر الألماني الذي شقت معاول بعض مفكريه الطريق نحو تصور فكري جديد ومغاير، ولعلنا نذكر هنا واحداً من أهم المفكرين الذين أرسوا مبدأ العدمية، وهو نيتشه، بوصفها -أي العدمية- مرحلة فاصلة في مسار الحداثة، ليشهد العالم بزوغ ما بعد الحداثة، ويمكن القول هنا: إن العدمية كانت البوابة لنقد الحداثة، وبداية لتحول جديد.

وكان النقد النيتشوي أعنف نقد للعقلانية الحديثة، لكنّ المدرسة الألمانية هنا ليست واحدة، وعلى الرغم من التقاطع بين نيتشه ومواطنه مارتن هايدجر، فإن الأول يوجه معاوله للحداثة ليهدمها لمجرد الهدم، بينما يعمل الثاني على إعادة التركيب من خلال تركيزه على بناء نسق بديل للقيم.

العناية بالقرآن

إذا عدنا للوراء في تاريخ الاهتمام الألماني بالثقافة العربية، فإننا نطالع مدرسة الاستشراق الألمانية التي اهتمت على نحو خاص بحقول الدراسات القرآنية، وكان لهم نصيب في أغلب علوم القرآن وما يتعلق بالترجمات إلى الألمانية، وبذلوا جهوداً كبيرة في مجال تحقيق وفهرسة الكتب والمخطوطات المتعلقة بالمعارف الدينية الإسلامية.

وتركز الدراسات بداية على نُسخ القرآن المترجم إلى اللاتينية لأول مرة في عام 1143، قبل أن تجري ترجمته إلى الألمانية 1616، وتتوالى الأسماء الألمانية في دراسة القرآن لغة وتركيباً، مثل جوستاف فايل ومن بعده جولدتسهير، قبل أن يضع ثيودور نولدكه، شيخ المستشرقين الألمان بصمته سنة 1859 في كتاب «تاريخ القرآن»، الذي يعد من أهم الكتب في الدراسات القرآنية الاستشراقية والأساس التاريخي الفيلولوجي لدراسة النص القرآن.

وتواصل الأكاديميات الألمانية حتى يومنا هذا العناية بالدراسات النصية والتاريخية للقرآن، ونشير إلى مبادرة أكاديمية «برلين براندنبورج» للعلوم، والمعروفة باسم «كوربوس القرآن» أو «مدونة القرآن»، والمشرفة عليها المستعربة أنجليكا نويفرت. وتحل المبادرة كمشروع بحثي منذ 2007 وتستهدف توثيق نص القرآن «في صيغتيه المخطوط والشفوي»، وربط مقاطع القرآن الفرادى بالنصوص اليهودية والمسيحية وغيرها من النصوص المقابلة من بيئة القرآن، مع تعليقات وشروح مفصلة.

الشعر الجاهلي

وليس ببعيد عن الدراسات القرآنية، اهتمت المدرسة الألمانية بتاريخ الشعر الجاهلي، والسؤال المثير حول هذا المنتج: هل هو أصلي أم منحول؟ القضية التي أثارها عربياً فيما بعد عميد الأدب العربي طه حسين.

ومبكراً بدأ المستشرقون دراسة الأدب العربي، بخاصة قبل الإسلام؛ إذ تمدنا المصادر بأن من أوائل من تطرقوا إلى قضية الانتحال في الدراسات الغربية كانت دورية «كنوز الشرق» أول مجلة محكمة متخصصة في الدراسات الاستشراقية تصدر في فينا 1809، وأسسها المستشرق فان هامر بورجستال، كما تطرق إلى القضية المستشرق هارد يوهان جوتفريد، ورأى أصالة الشعر الجاهلي وأقدميته، بخاصة في دراسته «تأثير الأدب في عادات الشعوب في العصور القديمة والحديثة».

وفي القرن التاسع عشر، يتناول نولدكه عدم صحة الشعر الجاهلي في إطار مقالات وبحوث جمعت في كتابه «أبحاثاً لمعرفة شعر العرب القدماء» أو «حول الشعر العربي» المطبوع في هانوفر 1864. وترجمه للعربية الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي.

وتحدث نولدكه عن تضارب الروايات واختلافها في نصوصها، وعن رواة الشعر الجاهلي، وعن تداخل الشعر بعضه في بعض الأحيان؛ بحيث يدخل شعر شاعر في شعر غيره، أو ينسب شعر شاعر لغيره ثم عن تغيير وتحوير الأشعار بلهجات القبائل لجعلها موافقة للعربية الفصحى.

وعلى الدرب نفسه يسير تلميذ نولدكه، كارل بروكلمان؛ حيث تعرض ل«عبث الرواة بالشعر القديم» سواء لأجل التكسب أم لاستهتارهم وعدم إحساسهم بالمسؤولية، حتى إن وجد من يحفظ الشعر ويتميز بالذاكرة القوية، فإن الشعر ولابد أن يلحقه تغيير أيّاً كان نوعه، لأن الرواية الشفهية لن تحل محل التقييد بالكتاب.
إحلال وإبدال

على الرغم من سيطرة الرأي القائل بانتحال الشعر الجاهلي داخل المدرسة الألمانية، ثمة أصوات ترى أقدمية الشعر الجاهلي وأصليته، يبرز هنا المستشرق أرش برويتلش عام 1926، الذي رأى أصلية الشعر ودعم رؤيته في تعدد روايات الشعر الجاهلي بثراء اللغة العربية، مما سهل عملية الإحلال والإبدال التي تعرضت لها نصوص القصائد ومتونها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"