المجاعة ومخاطر التسييس

00:47 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

الخوف من حدوث مجاعة عالمية أصبح حديث الساعة في مختلف المنابر الدولية، وفتحت الأمم المتحدة ورشة موسعة بحثت جذور الأزمة والحلول الممكنة، في ظل تعقد المشهد الدولي على الصعد كافة. واتهمت أغلب المداخلات الأزمة الروسية الأوكرانية بالتسبب في مجاعة عالمية وشيكة وبالدفع بأسعار الغذاء إلى ارتفاع صاروخي، من شأنه أن يفاقم التحديات أمام الجميع، ولا سيما الدول الفقيرة.

في زمن الصراعات وتنافر الأقطاب الدولية، لا يخلو أي شيء من التسييس والتوظيف، وما يجري من جدل هذه الأيام حول نقص الغذاء، يدخل في نطاق المواجهة المفتوحة بين روسيا والأطراف الغربية حول القضايا ذات الصلة بالأزمة في أوكرانيا، وما تبعها من فرض عقوبات غير مسبوقة على موسكو، التي ردت الفعل وقامت بدورها باتخاذ إجراءات مضادة.

وفي الأفق هناك نذر تصعيد كبير بشأن التراشق بالعقوبات والتوتر السياسي والأمني. وبين هذا وذاك تنشب أزمات عدة ومنها نقص الغذاء وارتفاع الأسعار، وتشير التوقعات إلى أن الأمر سيزداد حدة في الأشهر القليلة المقبلة مع تناقص المخزونات وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الأسمدة الضرورية للزراعات الكبرى. 

وفي الأفق أيضاً مخاطر اندلاع اضطرابات اجتماعية مثلما حدث في الأعوام 2007 و2008، ثم في 2011، عندما اجتاحت أحداث الشغب أكثر من 40 دولة بسبب زيادات مفاجئة في أسعار الغذاء العالمية والطاقة. واليوم هناك نسب تضخم خرافية، لا سيما في الولايات المتحدة والدول الغربية، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في أسباب هذا التدهور والمسارعة إلى إيجاد الحلول العاجلة.

قد تكون الأزمة الأوكرانية سبباً مباشراً في الظروف الراهنة، ولكن الجذور الحقيقية تعود إلى أسباب أخرى، منها تداعيات جائحة «كورونا» وأزمة المناخ والإغلاقات الأخيرة في الصين بسبب الوباء، واختلال التوازنات التنموية بين الدول الغنية والفقيرة، وتعثر أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي بدأت منذ 2016، وتهدف إلى القضاء على الفقر بجميع أشكاله، ومكافحة عدم المساواة، والتصدي لظاهرة تغير المناخ. وكل هذه الأسباب مجتمعة ساهمت في صناعة هذه الأزمة، وحلها لا يمكن أن يتم بتبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، بل بالتفكير الجماعي والحوار البنّاء بين جميع الأطراف والأقطاب العالمية الكبرى، سواء من المنتجين أو المستهلكين.

المجاعة من أكثر التهديدات خطورة التي تواجه أي مجتمع. والأمن الشامل لا يكون دون توافر الغذاء لكل الشعوب بلا استثناء. والأزمة الراهنة لا ينبغي التركيز على سبب من أسبابها وإهمال الأخرى، والحل يجب أن يؤخذ جميعها في الحسبان حتى يتمكن العالم من تجاوز هذا الظرف العصيب، ويستعيد الأمل في العيش بأمن وسلام بعيداً عن أي تهديدات أو مخاطر. فهذا العالم بإمكانه أن يسع كل الأمم والشعوب ويمنحها الغذاء والطمأنينة والكرامة، بشرط أن يتفق صناع القرار على ما فيه الخير ويتحلّوا بالجرأة والشجاعة لمواجهة كل الأزمات، والعمل على حلّها بواقعية وعقلانية وحرص على المصالح المشتركة دون توظيف أو تسييس.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"