عادي

بصيرة التنوير

أبوظبي تجمع العالم في كتاب
23:28 مساء
قراءة 3 دقائق
7

اليوم دورة جديدة من معرض أبوظبي للكتاب، دورة من ألق المعرفة وحب الثقافة والفتنة بالقراءة، دورة تحمل الكثير من المعاني والرسائل، وتؤكد أن الإمارات تضع الإنسان في عينها وفي قلبها وفي مقدمة أولوياتها، وأنه لا تنمية أو تقدم أو تسامح من دون الاهتمام بكل ما يرتقي بالوعي والذائقة الجمالية، بكل ما يحصّن العقل ويحلّق بالبصيرة.

في هذه الدورة نحن على موعد مع ألف ناشر من جهات الأرض كافة، ومع حوارات ونقاشات حول مختلف قضايا الفكر والأدب، ومع قراء يذهبون إلى المعرض يسبقهم شغفهم لاقتناء كل جديد، حالة من الزخم الذي لا يتوقف أو ينقطع، حالة ثقافية صحية بامتياز.

وفي هذه الدورة أيضاً نحن مع طه حسين، شخصية المعرض، واختياره موفق للغاية، فطه حسين رمز يحمل أكثر من معنى ودلالة، هو ذلك الكفيف الذي تحدى الإعاقة وانتصر عليها، واستعاض عن البصر بالبصيرة، وأنار للثقافة العربية الطريق نحو آفاق غير مسبوقة، طه حسين يتجاوز لقبه الشهير، عميد الأدب العربي، تؤكد ذلك معاركه وإرثه، طه حسين يلخص عصر النهضويين العرب في النصف الأول من القرن العشرين، بكل ما صاحب هذا العصر من زخم نفتقده في ساحتنا الثقافية والفكرية الآن، طه حسين أطلق العقل من سباته، وكتاباته وأطروحاته تضع أيدينا على مفاتيح التنوير، في زمن يحاول المتشددون فيه سرقة العقول وإعادتنا إلى أزمنة انعزلنا فيها عن العالم، نحن الآن بحاجة ملحة إلى إعادة قراءة أعماله والاسترشاد ببصيرته.

يأتي فوز الدكتور عبدالله الغذامي بلقب شخصية العام في جائزة الشيخ زايد للكتاب، ليكمل رسالة المعرض في هذه الدورة، فالتنوير هو الهدف، فالغذامي ينتمي إلى سلالة طه حسين، أحد أبرز النقاد الحداثيين في زمننا الراهن، ولم تتوقف إسهاماته عند النقد الأدبي وحده، ولكنك تقرأ له باستمتاع في النقد الثقافي، وفي تحليل الخطاب، وفي رؤيته حول مناخ العصر، عصر التكنولوجيا وصعود الجماهير، وسقوط النخب، مع الغذامي التنوير ليس في الأفكار وحسب، ولكن لغته أيضاً تختفي فيها التعقيدات الأكاديمية والمصطلحات الرنانة، هو وفي للغة وأسلوب النهضويين العرب، مع اختلاف التعاطي مع الأفكار نتيجة لتغير العصر وتطور المناهج والأدوات، والغذامي مرة ثانية أو ثالثة في مقارنته بطه حسين أو أعلام النهضة العربية، يحتاج إلى قراءات أوسع تتناول أطراف مشروعه العريض.

تحل ألمانيا ضيف شرف هذه الدورة، تلك الدولة التي لها مكانة خاصة في الثقافة العالمية، وعندما نستعيد اسمها تقفز إلى الذهن المئات من أسماء الفلاسفة والموسيقيين والروائيين والشعراء والمستعربين الذين كانت لهم إسهاماتهم المختلفة في قراءة التراث العربي، مع ألمانيا تشعر بأن تاريخ البلد تكتبه الثقافة، ويكتسب فيها التنوير مذاقاً خاصاً، وتجربة لابد أن نزيد معرفتنا بها.. تجربة ذات مذاق خاص ومميز عن التجربتين الفرنسية والإنجليزية في التنوير.

إذن نحن أمام رؤية متكاملة للتنوير، أديب ينتمي إلى الجيل الذهبي للثقافة العربية الحديثة، وناقد معاصر تعددت إسهاماته، وانفتاح على أحد أكثر ثقافات العالم حيوية وخصوبة. إن رؤية معرض أبوظبي للكتاب تحاول ترسيخ التنوير قيمة وفكرة، تجعله كالماء والهواء، إذا استعرنا لغة طه حسين، فالتنوير بصيرة في زمن أصيب فيه البعض بالعمى الفكري وعدم التمييز بين ما يخرب العقول، وبين ما يبنيها ويجعلها تثمر بكل ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
(الخليج الثقافي)

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"