ثقافة «التضخم»

00:00 صباحا
قراءة دقيقتين

القصة كلها تتعلق بالطلب.. كل ما يدور حولنا في الأسواق محوره الطلب.. عندما يضعف تقل الحاجة إلى السلع، وتنخفض الأسعار، وعندما يقوى، تزداد قيمة المنتجات، لقلة توافرها. 

هذه هي المعادلة على مدار التاريخ، وهي الآن معادلة التضخم وآلياته في جميع القطاعات.

هذا ما تحاول الولايات المتحدة عبر الاحتياطي الفيدرالي معالجته، لمواجهة الارتفاع القياسي في معدلات التضخم، فهو يسعى إلى استخدام آلية الفائدة نحو رفعها لتقييد الاقتراض، وزيادة الكُلفة على المقترض، أي لتحجيم الاستهلاك؛ بحيث تتقلص القدرة الشرائية ومعها الطلب على المنتجات، ما يؤدي إلى تقليص الأسعار، وتخفيف حدة التضخم.

لكن في مقابل ذلك، فإن خطوة كهذه تحمل مخاطرة كبرى تؤثر في النمو الاقتصادي، فزيادة الفائدة تعني الضغط على المشاريع الجديدة، وتقليص التوسعات، وتحجيم خلق وظائف جديدة، وهو ما يُدخِل الاقتصاد في تباطؤ.

لهذا فإن السياسات النقدية في أكبر اقتصاد عالمي بين نارين؛ تقليص التضخم المتفاقم، ومواصلة تحقيق النمو، لاسيما أن جزءاً من هذا التضخم خارجي، ويتعلق بأسعار الطاقة، وضعف سلاسل التوريد العالمية، أحد تداعيات جائحة «كورونا». 

إلى أن تحل هذه المعضلة، فماذا نحن فاعلون هنا؟

مجدداً، لا بد من تغيير ثقافة الاستهلاك، ولنسمها اليوم «ثقافة التضخم»؛ بحيث يتم التعامل مع الواقع الجديد بما يقلل الكُلفة النهائية، في ظل ارتفاع الأسعار. 

وهذا ما يتم بالفعل، عند مقارنة رب الأسرة لأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.. وهنا يلمس أهمية وجود ميزانية لكل شيء؛ بحيث تبقى ثابتة، وإن ارتفعت الأسعار.. وكذلك تبرز أهمية البحث عن البديل أيضاً.

هذا البديل ينطبق على كل شيء، ففي السياحة والسفر، يجب البحث عن الوجهات التي تراجعت الكُلفة فيها مع ارتفاع سعر صرف الدرهم أمام عملاتها، وحتى الوجهات التي أصبحت أغلى، يكون هنا البحث عن البديل من فندق 3 أو 4 نجوم بدلاً من فندق 5 نجوم، أو مثلاً تقليص مدة البقاء في هذه الوجهة؛ بحيث تبقى الميزانية ثابتة. 

وعلى صعيد السلع المعمرة، فإن المسألة ترتبط بكُلفة التشغيل، فبدلاً من سيارة 6 أسطوانات، يكون الاتجاه نحو سيارة 4 أسطوانات، لتقليل استهلاك الوقود، والأمر ينطبق على السلع الكهربائية التي تكون أقل استهلاكاً للطاقة. 

إذا كان الطلب على المستوى الكلي بحاجة إلى لجم؛ بحيث يتمكن الاقتصاد من التغلّب على التضخم، فإن الطلب على مستوى كل قطاع، سيكون متغيّراً باتجاه ما هو أقل سعراً وكُلفة. 

التجار والموردون للمنتجات البديلة والأكثر تنافسية بدأوا يلمسون ارتفاعاً في الطلب على منتجاتهم، بالمقابل بدأت الشركات التي رفعت أسعارها للمحافظة على هوامش الربح، تلمس تراجعاً في حجم المبيعات. 

متغيرات السوق بالمجمل تكون إيجابية على المدى الطويل، و«ثقافة التضخم» من شأنها أن تدعم المتغيرات، وتُدخِل سلعاً جديدة إلى الأسواق، وتحث التجار على البحث عن أسواق ومنتجات بديلة، وليس معنى ذلك أن تكون هذه المنتجات أقل جودة، وإنما  بلا أدنى شك  أكثر ابتكاراً وتنافسية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"