ظروف استثنائية لإبداع الفنون

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

ما رأيك في شطحات نوستراداموسية في الفنون؟ عقلاً ومنطقاً، إذا لم ينطلق مارد إبداع الفن من قمقمه في هذه الأجواء التي لم ير التاريخ لها مثيلاً، فلن تقوم للفنون قائمة، لن التأبيدية الزمخشرية. ليس في مستطاع العالم أن ينسج لأهل الثقافة مسرحاً عالمياً على هذا المنوال، الذي هو نسيج وحده.

الموادّ الأولية للإبداع هذه المرة، كلها استثنائية. العنصر الأهم في أيّ عمل إبداعيّ فريد، هو الخيال. هو المبدع في غنى عن الخيال. أيّ خيال خياليّ تبتغي، ولو اجتمع الإنس وجنّيات وادي عبقر، وإلهات الإلهام في الأولمب، على أن يشطّوا ويفرطوا في رسم أقصى جنون الأوضاع، ما أتوا بذرّة من التراجيكوميديا اللامعقولة، التي تشهدها شعوب الأرض مرتعدة؟ إلى أين يرحل الخيال بحثاً عن الغرائبيات؟ في القرن الحادي والعشرين، يتبارى الكبار في لعبة الكرة النووية. ما لدى الولايات المتحدة وروسيا، فقط، 11ألف قنبلة ذرّية، توزعها بالقسطاس على مئتي بلد، يجود على كل واحد بخمس وخمسين، لا فرق بين كبير وصغير هذه المرة في المساحة والنفوس. هل أفلس المعرّي: «فلا هطلت عليّ ولا بأرضي..سحائبُ ليس تنتظم البلادا».

في القرن الحادي والعشرين، يرتاد الإنسان الفضاءات القصيّة، يمتلك الآلات الذكيّة والحواسيب الكوانتوميّة، مجاهره ترى الجزيء والخليّة، مناظيره تبصر ما وراء مليارات السنين الضوئيّة، له ميزان يزن الجزيئات والعناصر الذريّة، يُغرق الناس في عوالم معزّزة افتراضيّة، سوى أن المجاعة تتهدّد البشريّة، التي بات القمر أقرب إليها من قرص الخبز، وتحلم بالزيت لإعداد البطاطس المقليّة. حتى الثقافة، التي هي رافعة الحضارة الإنسانية، وقعت في هذه الهاوية المأساوية.

 أروع وأعظم ما في الثقافة، هو أن الذين يُعادون آداب خصومهم وفنونهم، إنما يسعون بأيديهم إلى تجهيل شعوبهم، وحرمان أجيالهم كنوز الثقافات، التي هي أعدل توزيع لثروات أبدع أدمغة البشر. إلاّ أن ما يحدث على مسرح العالم اليوم، يتجاوز التنافس الجيوستراتيجي، والجدل الأيديولوجي، والعناد الديماغوجي، فالبشرية كلها، مدفوعة بالعجلات الأربع قسراً، نحو الصاعق المدمّر. الكوكب برمّته على سطح صفيح جهنّمي. قوّتان، الولايات المتحدة وروسيا، تفصل عاصمتيهما 7800كم، بضغطة زرّ، هناك أو هنالك، ويرث الله الأرض ومن عليها. أبو فراس خبير نفس واستراتيجية: «إذا متّ ظمآنا فلا نزل القطر».

لزوم ما يلزم: النتيجة الأسفيّة: عجباً لغريزة الأنياب والمخالب، لا تجدي في ترويضها مليارات الإبداعات آداباً وفنوناً. الثقافة مسكينة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"