ما بنشيل همّ

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

جزء كبير من فن القيادة استعداد فطري للتعامل مع شرائح المجتمع كافة وحل مشاكلهم، يضاف إليه موهبة في الفراسة، وقدرة استثنائية على إسعاد الناس ومحبتهم، ومخزون معرفي وثقافي وعلمي متنوّع، كما تلعب كاريزما الإطلالة دوراً في التأثير النفسي والعاطفي بالآخرين. ويقول القائد الفرنسي نابليون بونابرت بأن القائد يشكل مصدراً للأمل، ونتوقّف في هذا السياق عند فكرة ربط الأمل بالمستقبل، أي تفعيل التفكير المستقبلي، لضمان استدامة التنمية، وتشمل وضع الاستراتيجيات والخطط والبرامج الابتكارية. 

 وفي هذا المقام نتذكر كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في القمة الحكومية في العام 2015، ويومها كان سموه يشغل منصب ولي عهد أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس المجلس التنفيذي لحكومة أبوظبي، ومناصب اقتصادية مثل رئيس مجلس إدارة مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي، ومجلس إدارة التوازن الاقتصادي، ومجلس إدارة شركة مبادلة للاستثمار، ومناصب قيادية أخرى في التعليم والبيئة وغيرها. حين قال سموه في القمة الحكومية 2015: «بعد خمسين عاماً، حين نحمّل آخر سفينة، آخر برميل نفط، سيكون السؤال: هل سنحزن؟ إذا كان الاستثمار اليوم صحيحاً، أنا أراهن يا أخواني وأخواتي، أننا سنحتفل في تلك اللحظة..».

 وفاجأ سموه الجميع بشفافيته، وتحدّث بلغة لم تكن مطروقة، ولم تكن متداولة في الإمارات والمنطقة، وربما كان الحديث يدور بشأنها في أروقة السياسة وصناعة القرار، لكن أحداً لم يعلنها مباشرة وبوضوح. قائد يقول للشعب والحكومة، إنه بعد خمسين عاماً قد ينتهي عصر الاعتماد على النفط والغاز كليّاً، أي قد تكون البلاد بلا نفط ولا غاز، لكن تلك المرحلة لن تكون آخر الدنيا، فإذا كان الاستثمار في الوقت الحالي صحيحاً، فإن الدولة والشعب سيحتفلان ويبتهجان.

 وهنا تحضرني مقولة إن القائد هو الذي يجعل الآخرين يثقون به، أما القائد المميز فهو الذي يجعل الآخرين يثقون بأنفسهم. وما قاله صاحب السمو في ذلك الوقت، أي قبل سبع سنوات، يسعى لجعل الآخرين يثقون بأنفسهم، وعليهم أن يعملوا على الاستثمار الصحيح في الموارد البشرية والمادية. ويحضرني قول لسموه أيضاً يجسّد الرؤية الحضارية والثقافية لدولة الإمارات، ولا تنفصل هذه الرؤية عن التفكير المستقبلي في تجلياتها العميقة: «نحن في دولة الإمارات نعتبر العلم والثقافة جزءًا لا يتجزأ من إرثنا الحضاري، ومن العملية التنموية، ومن بناء الإنسان والهوية المنفتحة الواثقة بنفسها، دون أن تتنكر لقيمها وأصالتها وتراثها..».

 ومن الطبيعي أن يكون صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، مشغولاً في الفكرة منذ سنوات طويلة، لكنه أطلقها في فعالية عالمية، ليرى العالم كيف يفكّر قائد مميّز بصوت مسموع أمام الشعب وقادة العالم. وفهم المحللون أن الإمارات بدأت منذ سنوات، أي قبل عام 2015، وربما منذ إنشائها على يد المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بالتفكير في عدم الاعتماد الكلي على النفط والغاز، ووضع سياسات التنويع الاقتصادي. والآن، تقول التقارير، إنه في العام 2020، نجحت سياسة التنويع الاقتصادي في زيادة نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي لإمارة أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى نحو 83%، بعد أن كانت 70% في العام 2004.

 الاستغناء عن النفط يعني الاستثمار في الطاقة النظيفة، والموارد البشرية والطبيعية، والأمثلة عن النجاحات في هذا المجال لا يتسع لها المقال، لكن لا بد من ذكر معلومة دقيقة وغاية في الأهمية، هي أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، أولى القطاع البحثي والتطويري عناية كبيرة، في المجالات المدنية والدفاعية، وكانت المخرجات تجيب عن السؤال والفرضية الأولى: هل سنحزن بعد خمسين عاماً؟ كلا يا صاحب السمو، الإمارات ستحتفل مع تصدير آخر برميل بترول، لأنها ستكون قد شيّدت مجتمع المعرفة والابتكار المبني على الكوادر البشرية، (وما راح نشيل هم).

 أما الحديث عن القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس الدولة، في ظل الأزمات الإقليمية والعالمية، فهو مبحث آخر، مخرجاته المستقبلية لا تقل أهمية عن التنويع الاقتصادي.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"