«..مرّينا بيكم حَمَد»

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاش مظفر النوّاب أعوام عمره الأخيرة في الشارقة، معزّزاً محفوظ الكرامة مرعياً إنسانياً واسماً أدبياً عربياً عراقياً وراءه سيرة شخصية تصلح وحدها لأن تكون رواية شاعر، بل، ورواية حقبة متقلّبة في العراق كان هو وغيره من شعراء الرّافدين شهوداً عليها، والبعض منهم كان طرفاً في الحياة السياسية العراقية، لكن كان الشعر دائماً هو لسان حال تلك المرحلة العراقية، وكأن ديوان العرب العراقي هو في الوقت نفسه وثيقة أدبية على شكل ديوان لغوي مسكون بالكثير من المرارات والعذابات التي ترسّبت في أعماق شعراء العراق، فدفعت بالبعض منهم إلى اللجوء إلى خطاب شعري انفعالي حادّ ومن هؤلاء مظفر النواب، والبعض ترك بلاده وقطع تماماً مع وطنه ومسقط رأسه وثقافته وغادر إلى عدد من المنافي الشخصية الاختيارية، ومنهم أيضاً مظفر النواب، والبعض من شعراء العراق عرف السجن والإعدام أو الحكم بالإعدام ومنهم ثانية مظفر النواب.

رأيت مظفر النواب مرة واحدة في حياتي، وكان ذلك في ثمانينات القرن العشرين.. ربما كان ذلك في العام 1986، حين رأيته صباحاً في مقهى الهافانا في دمشق، فاقتربت منه على حذر وفي ذاكرتي صورة عن شاعر حادّ «وحش» وهو يقرأ شعره على المنبر بلا حدود وبلا اعتباريات لهدوء الشعر، وإذ، بي، حين رحّب بي أجلس أمام شاعر أقرب إلى الخجل، وحين حدثته، أكاد لم أسمع صوته لفرط ما هو هادئ هذا الشاعر الذي كان بإمكانه بعد إلقاء شعره أن يقود مظاهرة في الشارع. 

ولكن الرجل في حياته وفي طبيعته لم يكن كذلك على الأقل حين التقيت به في ذلك الصباح الثمانيني الدمشقي لغرض مهني بالطبع، وهو أن أجري معه حواراً صحفياً، ولكنه على ما أذكر الآن اعتذر بصوته الذي لا يُسمع لفرط هدوئه كأنه يغلق فمه عن الكلام. هذا الشاعر الذي كان يطحن الكلام طحناً على المنبر الإلقائي الشعري، ولن أنسى هنا أن أنقل إلى القارئ الصديق ما لفتني من أناقة مظفر النواب. كان يومها يرتدي بنطلوناً وقميصاً أبيضين، وأمامه فنجان قهوة، وان لم تخنّي ذاكرتي لم يكن يدخن.

من الطباع النبيلة الكبيرة للإمارات الصفح والتسامح ومعرفة معادن وأرواح الناس وإكرام ضيوفهم بين أهلهم الإماراتيين الأصلاء الفروسيين أصحاب الرأي والحدس والفراسة، وهذا مظفر النواب يلقى الرعاية والحدب الإنساني الحضاري عليه في الشارقة في أخريات عمره المرير الذي انتهى به أيضاً هذا العمر محترماً في بلاده، ولكنه عاد إلى بغداد في تابوت بعد 88 عاماً من الشعر والمطاردة والتجربة الأقسى من الصوّان.

في العام 2017 كنت في زيارة إلى القاهرة كانت الزيارة الأولى لي إلى أم الدنيا، فوجدت كتاباً جمعه نخبة من الأساتذة في طباعة شبه شعبية بعنوان «الأعمال الكاملة.. مظفر النواب». اشتريت الكتاب، وأبقيته في مكتبة بيتي في الشارقة كل هذه السنوات، وها أنذا الآن أنقل إلى القارئ بعضاً من مظفر النواب.. الشاعر الشعبي بلهجته العراقية الجريحة دائماً، وكأن دموعاً تسقط على الورق من الكلمات لا من العينين:

«مرّينا بيكم حمد         واحنا بقطار الليل

وسمعنا دق قهوة         وشمّينا ريحة هيل

يا ريل صيح بقهر          صيحة عشق يا ريل»

عاد مظفر النواب إلى بلاده لكي يشمّ «ريحة» هيل.. ولكن، بعد فوات الأوان.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"