الجديد في انتخابات لبنان

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

الجديد في نتائج الانتخابات النيابية في لبنان ليس تقدّم أو تراجع هذه الكتلة أو تلك، لأن هذا لن يخرج المعادلة السياسية المعقدة في البلد مما هي عليه من إرباك، فالمتنافسون السياسيون والحزبيون الممثلون للطوائف سيبقون في حال الشد والجذب التي نعرف، حتى وإن من كان أولاً حلّ ثانياً أو العكس.
الجديد الفعلي في هذه الانتخابات هو الخرق الذي حققته ما توصف بقوى التغيير بنجاحها في إيصال مرشحين يعبرون عنها إلى مقاعد مجلس النواب، فيما يمكن اعتباره سابقة في تاريخ السياسة اللبنانية، كون هؤلاء لم يقدّموا أنفسهم على أنهم ممثلون لطائفة من الطوائف، ويفترض أن يظلوا على هذا الموقف، كنواب عابرين للطوائف ومتجاوزين للانتماءات والهويات الفرعية المنقسمة على نفسها والمتصارعة حدّ استخدام السلاح في بعض الحالات.
هذا الاختراق رغم أنه محدود يكتسب أهمية من الناحية الرمزية بدرجة أساسية، فحركة الاحتجاجات الشعبية بدأت تعطي بعض أُكلها، بعد أن جعلت من عبارة: «كلن يعني كلن» شعاراً لها، في تعبير عن عجز وشيخوخة هذه المنظومة القائمة على تواطؤات ضمنية بين رموزها وقادتها، على ما بينهم من تناقضات، على إبقاء البلد يدور في دائرة الجمود نفسها، والحيلولة، قدر الإمكان دون كسرها والخروج من شرنقتها.
مع ذلك، فالطريق ليس ممهداً أمام القوى التغييرية، فهي ليست في وضع يجعلها صاحبة المبادرة في المشهد السياسي القادم، فضلاً عن أنها ستكون محط اهتمام اللاعبين الكبار، الذين يحتاج كل فريق منهم لترجيح كفته في تشكيل الحكومة القادمة، ما يعني أنه في حاجة لدعم هؤلاء المستقلين الذين سيتعين عليهم اليقظة الشديدة تجاه المكائد السياسية المتوقعة، والحفاظ على وحدة من أوصلتهم قوى التغيير من نواب، كي ينشطوا ككتلة حتى لو كانت صغيرة وقليلة العدد، لا كأفراد متفرقين.
فضلاً عن ذلك، فإنه من الصعب التعاطي مع الشأن السياسي اللبناني كشأن محلي محض، فما من بلد عربي متأثر بالمعادلات الإقليمية القائمة في المنطقة، بكل ما لها من أبعاد وتداعيات، مثل لبنان، فمنذ الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينات الماضية، وصولاً إلى الغزو الإسرائيلي للبنان، والبلد ساحة تتكثف فيها تناقضات الإقليم.
سابقاً وحالياً ومستقبلاً، ثمة حاجة لإعادة صوغ أولويات السياسة في لبنان، كي تكون تنطلق من مصالح اللبنانيين، الذين هم ضحية وضع اقتصادي صعب، بسبب تنمّر رموز منظومة الفساد، التي أوصلت البلد إلى حال من الفقر والعوز، وأيضاً لكي تنطلق من حقيقة أن لبنان، كبلد عربي، يجب أن يكون جزءاً في منظومة الأمن العربي نائياً بنفسه عن المحاور الإقليمية المعنية بمصالحها هي لا بمصالح اللبنانيين.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"