التواصل الحقيقي

00:00 صباحا
قراءة دقيقتين
صباح الخير

لم نعد نستطيع اللحاق بما تنتجه التكنولوجيا؛ وكلّ يوم تفاجئنا بما نحتاج إلى وقت كي نستوعبه ونتفهّمه، ومعظمه يتعلّق بحياتنا وممارساتنا اليومية، في المأكل والمشرب والملبس، والخروج وقيادة السيارة، والتسوّق.. حتى الخلود إلى النوم.
للقضية وجهان متناقضان؛ الأول يحمل الفائدة والسهولة والإنجاز السريع لأشياء كانت تحتاج إلى وقت وتفرغ لتُنجز، أما الثاني، فعلى العكس، ففي هذه التقنية الهائلة، استسهل مستخدموها كلّ شيء، بدءاً من تلميذ المدرسة في مراحل سنواته الأولى، مروراً بالمعلم وأستاذ الجامعة، والطبيب، والموظف والكاتب والصحفي، وانتهاء بسيدة المنزل؛ كل هؤلاء لا يكلّفون أنفسهم عناء البحث الفعلي في المراجع الأصلية، عمّا يحتاجون إليه، بل يلجأون بسهولة متناهية، إلى ما تقدمه الشبكات من موادّ قد يشوبها الكثير من الأخطاء، فيلجأ هؤلاء إلى ما يسمّى «القصّ واللصق»، دون التمحيص والتأكد، وكثير منها ينبّه إلى أنّ ما ورد يحتاج إلى تدقيق، فتخرج إلينا «منتجات» سواء في البحوث أو أوراق العمل، أو الدراسات، أو المقالات، تفتقر إلى الدقة والموضوعية والعلم.
لسنا ضد استخدام التقنية لتسهيل الإنجاز وتسريعه، لكن التعب وبذل الجهد في البحث والتقصّي والتدقيق، مطلوبان، حتى لا يفتقر ما يُقدّم إلى الصدقية.
الأمر الأكثر خطورة، أن هذه الشبكات والمواقع، فضلاً عن افتقار بعضها إلى الدقة والموضوعية، فإنها تقدم محتويات مضلّلة أو تدعو إلى التطرّف أو العنف أو الإرهاب، وتقف وراءها جماعات منظّمة، أو بعضها يبثّ صوراً أو مقاطع إباحية أو متفلّتة أخلاقاً وقيماً.
الأمر على خطورته، يحتاج إلى تروٍّ وتبصّر، فالكبار، عليهم التحلّي بالمهنية والموضوعية وبذل الجهد الحقيقي، لإخراج ما يضعون تحته أسماءهم، بشكل يليق بما يقع على عواتقهم من مسؤوليات. أما الصغار، فالمجتمع مسؤول عن تربيتهم وتحذيرهم، وعلى رأس القائمة، نواته الأولى، وهي الأسرة التي تربّي وتزرع القيم والمبادئ السامية بالقدوة الحسنة، وليس بالتوجيه المباشر أو الإرغام والضغط أو المنع والتعنيف، ثم المدرسة بتخصيص حصص أو جزء منها، للتوعية بعروض مشوّقة جاذبة، تنبّه إلى خطورة الاستخدام غير الصحيح لوسائل التواصل، ثم تأتي منظمات المجتمع المدني والأجهزة الأخرى الشرطية منها والأمنية، ووسائل الإعلام المختلفة، بنشرات التوعية، والرسائل والبرامج، وسواها.
أخيراً، الإصرار على أن هذه الوسائل هي للتواصل وليس للانقطاع والتباعد، فما إن تجلس الأسرة أو مجموعة من الأصحاب، حتى يلتقط كل منهم هاتفه، وتشخص عيناه إلى شاشته، وينشغل عمّن حوله، ولا يأبه بمن يجالسه، فتبدو الجلسة لا حياة فيها ولا روح.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"