عادي

العراق بين الانفراج والانفجار

23:18 مساء
قراءة 4 دقائق

د. أحمد سيد أحمد *
رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لا تزال حالة الانسداد السياسي هي السائدة في المشهد العراقي، ولم يتم انتخاب رئيس الجمهورية أواختيار رئيس الوزراء، مع استمرار حالة الفراغ السياسي، وتفاقم التداعيات الاقتصادية والأمنية والسياسية في البلاد.

لم تفلح أكثر من عشر مبادرات سياسية طرحت من قبل التيار الصدري، ومن إقليم كردستان، ومن الإطار التنسيقي، ومن زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، ومن رئيس الحكومة الأسبق إياد علاوى، ومن رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، ومن «تحالف من أجل الشعب» الذي يعبّر عن تيار المستقلين في البرلمان، لم تفلح جميعها في كسر حالة الجمود السياسي في جدار الأزمة، بسبب تعنت الطبقة السياسية واستمرار حالة التضاد بين رؤيتين تحكمان التفاعلات السياسية: الرؤية الأولى يمثلها «تحالف إنقاذ وطن» الذي يضم التيار الصدري والحزب الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني و«تحالف تقدم» السني بزعامة محمد الحلبوسي، والذي يدفع في اتجاه تشكيل حكومة أغلبية وطنية، والرؤية الثانية يمثلها «الإطار التنسيقي» الذي يضم القوى الشيعية، التي تراجع تمثيلها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتتشبث بتشكيل حكومة توافق وطني، كما هو الحال في تشكيل الحكومات السابقة، وترفض مفهوم حكومة الأغلبية الوطنية وتتمسك بحقها في تشكيل الكتلة لأكبر، كما قال زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، واختيار رئيس الوزراء، أو على الأقل المشاركة في حكومة توافقية يقودها الصدر.

المبادرات المختلفة التي طرحت لم تنجح في تقريب الفجوة بين الجانبين، أو الوصول إلى صيغة توافقية وحل وسط للخروج من حالة الانسداد السياسي، وقد أعطى زعيم التيار الصدري، صاحب الكتلة الأكبر من الأصوات داخل البرلمان، الإطار التنسيقي الفرصة ومهلة 40 يوماً لتشكيل الحكومة بمعرفته لكنه فشل في تحقيق ذلك، ثم قام الصدر بمطالبة الطرف الثالث، أو ما يعرف بالمستقلين الذي يضم تقريباً 40 مقعداً ويشمل «تحالف من أجل الشعب» الذي يتكون من 18 نائباً عن حركتي «امتداد» و«الجيل الجديد»، وكلك نواب «ثوار تشرين»، بتشكيل حكومة مستقلة وأعطاهم مهلة 15 يوماً، ولم ينجح المستقلون في ذلك أيضاً، ما أعاد الأمور إلى المربع الأول واستمرار الانسداد السياسي. كما طرح الصدر مؤخراً في 16 مايو/ أيار خياره بأن يتحول إلى المعارضة الوطنية لمدة 30 يوماً، وإذا لم يتم تشكيل الحكومة من قبل الكتل الأخرى سيكون له خيار آخر لم يكشف عنه، وهو يعني ضبابية المشهد العراقي.

معضلة الأغلبية

أحد أسباب المعضلة السياسية الحالية في العراق هو غياب الأغلبية الكافية لدى كل تيار داخل البرلمان لاختيار رئيس الجمهورية، وتشكيل الكتلة الأكبر لاختيار رئيس الوزراء، ومن ثم تشكيل الحكومة، فرغم أن تحالف «إنقاذ وطن» يضم التيار الصدري (73 مقعداً) والحزب الكردستاني الكردستاني (34 مقعداً) وتحالف تقدم (33 مقعداً) وعدد من نواب الكتل الأخرى، إلا أنه لم يستطع تأمين أغلبية الثلثين (220 مقعداً)، داخل البرلمان لاختيار رئيس الجمهورية الذين يدعمونه وهو مرشح الحزب الكردستاني الكردي ريبر أحمد، ما انعكس في فشل البرلمان خلال ثلاث جلسات في اختيار رئيس الجمهورية، ونفس الحال بالنسبة إلى تشكيل الكتلة الأكبر لاختيار رئيس الوزراء وتشكيل حكومة أغلبية وطنية. في المقابل، لا يستطيع «الإطار التنسيقي» ومعه الكتل المتحالفة معه من الأكراد والسنة، تأمين أغلبية الثلثين داخل البرلمان لاختيار رئيس الجمهورية مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والرئيس الحالي برهم صالح، وكذلك تشكيل الكتلة الأكبر لاختيار رئيس الوزراء، ومن ثم تحول إلى ما يعرف بالثلث المعطل، أي تعطيل إجراءات وخطوات تحالف إنقاذ وطن، لكن من دون أن يتمكن من أن يوفر البديل. ولهذا أصبح المشهد يحكمه ما يعرف بتوازن القوى أو القدرة على إعاقة الطرف الآخر وهو ما تسبب بشلل العملية السياسية العراقية.

خيارات صعبة

أمام هذا الانسداد هناك خيارات عدة، أو سيناريوهات صعبة، أولها: حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، لكن هذا الخيار يواجه صعوبات أبرزها عدم تأمين الأغلبية المطلقة داخل البرلمان لحله، سواء بطلب من ثلث أعضاء البرلمان، أو بطلب من رئيس الوراء وموافقة رئيس الجمهورية، كما أن أغلبية القوى السياسية لا تؤيد الحل.

الثاني: حدوث انفراجه سياسية واختيار رئيس الجمهورية خاصة بعد التوافقات المبدئية بين الحزبين الكرديين وتوقف الحملات الإعلامية بينهما، كذلك تشكيل حكومة توافق وطني، وأن يقدم التيار الصدري والإطار التنسيقي تنازلات ترتكز على ضم بعض قوى الإطار التنسيقي في تشكيل الحكومة مقابل اختيار جعفر الصدر رئيساً للوزراء، وقد يكون هذا هو الخيار الاضطراري لمنع الانزلاق إلى سيناريو حل البرلمان، وسيناريو انفجار الشارع ضد الطبقة السياسية كما حدث في تشرين الأول 2019، لكن هذا الخيار يواجه تحديات مع تمسك كل طرف بموقفه.

في ظل استمرار التناقض بين «تحالف إنقاذ وطن» و«الإطار التنسيقي» فالأرجح أن تظل حالة الانسداد السياسي هي السائدة، بما قد يقود في نهاية المطاف إلى تفجر الغضب الشعبي مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

* خبير العلاقات الدولية في الأهرام

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"