عادي

اللاجئون.. كارثة عالمية

23:14 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب: بنيمين زرزور
كيف وصل الأمر بالعالم إلى هذه الدرجة من البؤس؟ سؤال يطرحه كثير من صناع القرار في عالم عصفت به كل أشكال الفوضى تغذيها دعوات الحرص على المصالح القومية، والتحسب لما هو أسوأ، وما شابه ذلك من منطلقات التفكير السلبي الذي صار بديلاً لابتكار الحلول وطرح المبادرات الإيجابية في مواجهة الأزمات العالمية وعلى رأسها أزمة اللاجئين التي تحولت إلى كارثة عالمية.

عششت في دوائر صنع القرار نزعات الأنانية السياسية التي قد تبدو مبررة ظاهرياً، في ظل تهديدات الحروب المتصاعدة، لكنها تحفر في بنية التعاون والتنسيق الدولي وهيكلياته التي كانت وراء ما تحقق خلال العقدين الماضيين من ازدهار وتطوير للبنى التحتية والعلاقات التجارية العابرة للحدود وحرية تنقل البشر التي منحت فرص توفير الملاذات الآمنة لمن اضطرتهم ظروف بلدانهم للهجرة الطوعية.

واليوم تقذف الحروب الملايين من سكان العالم خارج مواطنهم الطبيعية في تحول يفقد العالم الكثير من طاقات البناء والاستقرار الموصل إلى النمو والتقدم، بينما يقع كل مهاجر أو لاجئ في ورطة على الصعيد الشخصي وربما الأسري، تشل قدراته على العطاء وتحوله إلى عالة على الآخرين ليسقط العالم اقتصادياً وسياسياً وإنسانياً في دوامة العجز والتوترات.

وبينما يصحو العالم يومياً على أخبار نزوح أو لجوء جديد، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات جديدة من أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تسببت في زيادة عدد النازحين قسراً حول العالم إلى أكثر من 100 مليون شخص، وذلك للمرة الأولى في تاريخ العالم.

أرقام بالملايين

وجاء في بيان مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من الصراعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطهاد قد تجاوز المئة مليون شخص مدفوعاً بالحرب في أوكرانيا، التي غادرها ما يقرب من 6,5 مليون أوكراني، معظمهم نساء وأطفال.

هذا التحذير الجديد يأتي بعد أن سجلت أعداد اللاجئين قسراً قفزة استثنائية خلال عام 2022 لترتفع من 90 مليوناً بنهاية عام 2021، إلى ما يزيد على المئة مليون نتيجة أعمال العنف في إثيوبيا وبوركينا فاسو وميانمار ونيجيريا وأفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويعادل هذا العدد الإجمالي – الذي يعني نسبة 1% من سكان العالم – عدد سكان بلد في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً من حيث عدد السكان.

ويشمل هذا العدد اللاجئين وطالبي اللجوء، بالإضافة إلى 53.2 مليون شخص ممن نزحوا داخل حدود بلدانهم بسبب النزاعات، وذلك وفقاً لتقرير حديث صادر عن مركز رصد النزوح الداخلي.

واعتبر فيليبو غراندي، مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هذا الرقم كارثة عالمية كان ينبغي تجنبها بأي ثمن.

واللافت في معالجة أزمات اللجوء الحالية ضعف حماسة الدول الغنية للاستجابة لمتطلبات دعم اللاجئين وتجاهلها مناشدات المنظمات الإنسانية الدولية، في ظل تفاقم الأزمة نتيجة تعدد بؤر الصراع وتدفق اللاجئين المستمر. وقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن أشكال جديدة من الاستجابة يتم فيها التمييز بين اللاجئين من أوكرانيا وغيرها من مناطق العالم، ما يثير أزمة أخلاقية تحاول الدول المنوط بها استقبال اللاجئين التستر عليها.

وقد أكد غراندي أن الاستجابة الدولية حيال الأشخاص الفارين من الحرب في أوكرانيا إيجابية جداً، لكن هناك حاجة لتعبئة مماثلة في ما يتعلق بكل الأزمات الأخرى في العالم.

وفي الوقت الذي تنظر المنظمة الدولية إلى استجابات الدول على أنها مجرد علاجات سطحية، أكدت على الحاجة للبحث عما يعزز الاستقرار السياسي العالمي الذي يكفل عودة اللاجئين إلى ديارهم ويقطع دابر الهجرة نهائياً ولو بعد حين.

وينظر العالم إلى تبعات الأزمة الأوكرانية وما أفرزته من أزمات إنسانية وهجرة ونزوح للاجئين، على أنها القشة التي قصمت ظهر البعير في أزمة اللاجئين العالمية. فقد تسببت في زيادة المخاطر على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يئن تحت وطأة تداعيات جائحة كورونا.

وأدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والأسمدة، إلى زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الفقر في العديد من الدول منخفضة الدخل.

وكان عدد المهاجرين الدوليين قد تراجع خلال أزمة كورونا في الفترة 2020 - 2021، وهو الاتجاه الذي انعكس في ظل الأزمة الأوكرانية، حيث من المرجح أن يصل عدد المهاجرين واللاجئين، على مستوى العالم، بمن في ذلك اللاجئون من أوكرانيا، إلى نحو 286 مليوناً في 2022.

وستؤثر أزمة أوكرانيا في طبيعة الحوكمة العالمية لأنظمة الهجرة في الأعوام المقبلة. فقد أدت حتى اليوم إلى تحويل اهتمام السياسات العالمية بعيداً عن المناطق والشعوب النامية الأخرى المتأثرة بأوضاع الهشاشة والصراع والعنف.

لقد عززت الأزمة الأوكرانية دواعي إنشاء صندوق تمويل ميسر للهجرة لمساندة مجتمعات استضافة اللاجئين التي تشهد تدفقاً كبيراً، ومساندة المجتمعات الأصلية التي شهدت هجرة مرتدة خلال أزمة كورونا. ومع بدء تكشف العواقب طويلة الأجل وقصيرة الأجل لفصول هذه الأزمة، يتضح أن مساندة المجتمعات المحلية المضيفة أكثر إلحاحاً في الوقت الحالي.

بانتظار الحلول

ومما زاد أزمات اللاجئين تفاقماً وعمقاً أن الحرب في أوكرانيا شلت أنظمة المدفوعات الدولية مع ما يصاحب ذلك من تداعيات على تدفقات التحويلات عبر الحدود من روسيا إلى دول آسيا الوسطى التي تعتمد اعتماداً كبيراً على تدفقات التحويلات الواردة من روسيا. وأضاف استبعاد روسيا من نظام المدفوعات «سويفت» بعداً آخر للأزمة على صعيد الأمن القومي للمشاركة في تلك الأنظمة، التي من المرجح أن تصبح أكثر تشعباً في المستقبل.

وتتيح المساعي الحميدة العالمية تجاه اللاجئين والمهاجرين فرصة لوضع برامج الدعم والإغاثة وتنفيذها على أساس تجريبي لتسهيل حصولهم على الوظائف والخدمات الاجتماعية في الدول المضيفة.

وبين ما هو نظري يحدده طيف الآمال والتوقعات، وما هو عملي على أرض الواقع، تزداد معاناة ثلثي سكان العالم اليومية نتيجة التردي المتصاعد في ظروف معيشتهم، وهو السبب الرئيسي الذي يدفع الكثيرين للتفكير في النزوح إلى المجهول، ليبقى سيل تدفق اللاجئين مستمراً، بينما تتراجع جهود إغاثتهم وتغيب فرص الحلول الدائمة لمشاكلهم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"