قبل أن تصبح الهلوسات واقعاً

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

كيف الحال؟ حين نسأل من نلتقيه سواء كنا نعرفه أم لا هذا السؤال، فإنما نقصد به الاطمئنان على الصحة أو من باب الروتين وبداية الحوار التقليدية التي لا تنتظر جواباً حقيقياً بل مجامِلاً أيضاً كمجامَلة السؤال. وليست هناك مرة يذهب اطمئناننا على أحوال الآخرين إلى العمق، ولا مرة يخطر ببال الآخرين الإجابة عن أحوالهم غير الصحية، رغم أن ألم النفس يكون أصعب وأخطر من ألم البدن. 
كيف حال عقلك وأفكارك؟ هل أنت سليم ومعافى؟ هل أنت مدرك لقدراتك ومتصالح مع نفسك كي تستطيع التصالح مع الآخرين، وهل ترى حقيقة ذاتك كي تستطيع رؤية حقيقة الآخرين؟ 
لا نهتم لأحوال الروح والنفس والعقل، ننشغل بالبدن وكأنه الوحيد الذي يبقينا أحياء ويؤكد سلامتنا من أي مرض، بينما هناك أمراض يعانيها الناس تبقى غير ظاهرة لكنها تنعكس مباشرة على كل المحيطين بهم من خلال تصرفاتهم، والكلام هنا يكون أكثر دقة وخطورة حين يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين؛ فكم هي نسبة أولياء الأمور الذين ينتبهون إلى سلامة أبنائهم نفسياً وسلامة تفكيرهم وصحة وغذاء عقولهم؟ من يصدق من الأهل ويعترف في قرارة نفسه أولاً بأن طفله يعاني مشكلة ما وعليه معالجتها بشكل جدي قبل أن تكبر وتصبح جذورها عميقة فيصعب اقتلاعها؟ 
ما نشاهده من سلوكيات خاطئة لدى شبان مراهقين وانفلات أخلاقي وانحراف وضياع وحتى الاستسلام للفكر العنصري والإرهابي والتعصب، لا ينبت فجأة ولا يحدث تغييراً في المرء بين ليلة وضحاها، بل هناك مؤشرات عدة تدل على خلل في الصحة العقلية والصحة النفسية، إذا تجاهلها الأهل أو اعتبروها مجرد هلوسات أطفال ومراهقين، ولم يأخذوها على محمل الجد، فلا بد أن تتحول «الهلوسات» والأوهام إلى واقع يجرف الشاب والفتاة والطفل نحو مخاطر كثيرة، ولا تنحصر بحدود الخروج عن طاعة الأهل بل تصل إلى الخروج عن طاعة الله ورفض كل القيم وما يسمونه «قيوداً» وتصبح الحرية المطلقة هي الهدف والغاية؛ وحين نقول حرية مع خلل في التفكير والأخلاق والوعي، فكأنما نقول سلاحاً بيد جاهل أو طفل يلعب به ولا يدرك مخاطره فيقضي به على نفسه وعلى الآخرين. 
لا فرق بين شرق وغرب في إهمال الصحة النفسية والعقلية والتي لا تعني «الجنون» بالضرورة إنما تعني سلامة التفكير وحسن استخدام العقل وتغذيته بما هو مفيد وإيجابي، فما نراه من تكرار حوادث القتل التي يقوم بها مراهقون في الغرب لا تختلف عن أي عملية إرهابية يقوم بها مراهق تم تضليله في أي نقطة في العالم؛ وحين نتحدث عن الأطفال والمراهقين فهذا يعني أننا نحرص على سلامة أجيال وأجيال، والعناية المبكرة بسلامتهم ومساعدتهم على حسن التفكير والاختيار وعلى فهم معنى وحدود الحرية، ممكن وضروري في وقت مبكر وقبل أن يفوت الأوان.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"