اختراع عجلة المعرفة

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

يتحدث الكثيرون عن المعرفة، وعن ضرورة أن يمتلكها العرب، ولكن نادراً ما يقدّم أحدهم تعريفاً واضحاً للمعرفة، وما الذي يميزها عن الثقافة؟ وما هي علاقتها بالتعليم وبشرائح المجتمع كافة؟ نستخدم المعرفة أحياناً بمعنى الثقافة، وهذه الأخيرة تحولت إلى مظلة تضم كل شيء، وإذا كان معنى الثقافة نفسه بات متسعاً ومتشعباً وعصّياً على الإحاطة، فإن الخوف أن ندفع مفردة المعرفة لكي تسير في الطريق نفسه، وتتحول إلى كلمة فضفاضة لا يمكن ضبطها، وإن كانت حتى الآن في المخيال العام، كما يظهر في العديد من الكتابات والمؤتمرات والنداوات، أوسع من الثقافة، وتتميز عنها في ارتباطها أكثر بالتقنية والتكنولوجيا وعلوم العصر.
   وهناك ملاحظة أخرى تتعلق بالمعرفة، وتتمثل في الفئة المنوطة بدعمها ورعايتها، ويبدو أن تلك الفئة هي النخبة بشرائحها كافة، ولكن إذا كنّا نبحث في مسألة كيفية إنتاج المعرفة، فعلينا أولاً أن نلقي نظرة أولية وسريعة على البنية الفكرية لتلك النخب. 
  تعيش معظم نخبنا منذ عقود في قبضة التخصص بين العلوم المختلفة والمتعددة، بمعنى أنه لا يوجد عالم فيزياء أو كيمياء يستطيع قراءة قصيدة شعر أو الكتابة بلغة عربية سليمة، والعكس صحيح فنحن نفتقد إلى الأديب أو المفكر المعني بالثقافة العلمية التطبيقية، وانتهى زمن كان مفكرونا فيه يصدرون الكتب حول أهمية النظرة العلمية وضرورتها.
   لا يمكن إنتاج معرفة سليمة تسير على قدمين ثابتتين من دون تأسيس نخبة تمتلك رؤية شاملة لمختلف جوانب المعرفة، من دون إكساب العالم القدرة على الكتابة بلغته الأم، أو إيمان الأديب بروح العصر وتقنياته. ويبدو أن جذور تلك المشكلة تعود إلى التعليم والذي يحتاج إلى مراجعة كاملة في المناهج وخططها وآليات تدريسها، فخريج الجامعة في أي تعليم صحي، يُعد لكي يكون منتجاً للمعرفة، وتشكيل النخب نفسها يعتمد على فرز طويل ومعقد بين أكبر عدد من خريج، للوصول إلى نخب تحدث طفرات في مجتمعاتها وتنقلها إلى الأمام، أما عندنا فطالب الجامعة يدرس للحصول على وظيفة في سوق العمل، هذا إذا تم تأهيله جيداً، أما من ينضم من هؤلاء الخريجين إلى النخب لاحقاً فأفراد معدودين، ونتيجة لقناعات شخصية.
   لا يمكن إنتاج معرفة كذلك، من دون فكرة كبرى، يؤمن بها الجميع، وتوجههم في تعاطيهم مع السياسة والاقتصاد والمشكلات الاجتماعية والفكرية، فكرة تمنح العالم معنى.
  لقد مرت الساحة العربية بمرحلة كان هذا الإدراك للمعرفة، واضحاً نظرياً ومطبقاً على أرض الواقع عملياً، حتى وإن لم تكن النخبة آنذاك تستخدم كلمة معرفة، كان خريج الجامعة العادي متميزاً في تخصصه ويحيط بقدر كبير من المعارف الأخرى، ويمتلك ناصية لغته الأم، ويجيد لغة أخرى، وكان العالم مهتماً بالأدب، والشاعر صاحب نظرة علمية، ولذلك كان المنتج الثقافي بعامة: أدباً وفكراً واجتهادات علمية متميزاً، وعندما تراجع التعليم واختفت الأفكار الكبرى في العالم بأكمله، وأصيب الجميع بالتوتر، نتيجة لواقع يغيب عنه المعنى، أصبحنا نتحدث عن المعرفة وكأننا سنخترع العجلة من جديد.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"