أوروبا والحرب الاقتصادية على روسيا

22:12 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد *
على طريقة الدومينو انهارت دول أوروبا، الواحدة تلو الأخرى، أمام الضغط الأمريكي للانخراط في مخططها الاستراتيجي الذي وضعته واشنطن قبل حوالي عام، وهو إلغاء مشروع نورد ستريم 2 لنقل 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي الرخيص بواسطة الأنابيب تحت مياه بحر البلطيق إلى ألمانيا، كجزء من هدفها المتمثل في منع أوروبا الغربية من تحقيق ازدهار اقتصادي واجتماعي من خلال التجارة والاستثمار المتبادلين مع الصين وروسيا. وقد سارت أوروبا الغربية بإخلاص تام خلف الرغبات الأمريكية في حرب روسيا-الناتو في أوكرانيا؛ فهي بدلاً من شراء الغاز والنفط والحبوب الغذائية الروسية، سوف تشتريها من الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع الأسلحة الجديدة التي يجب أن تقتنيها بذريعة الحرب.
بحسب إعلانات الرئيس الأمريكي بايدن المتكررة وتقارير الأمن القومي الأمريكية، كان يُنظر إلى الصين على أنها العدو الرئيسي، على الرغم من الدور المفيد الذي لعبته الصين في تمكين الشركات الأمريكية من خفض معدلات أجور العمالة عن طريق توفير فرص التصنيع لها في الصين بعد تدهور تلك الفرص في الاقتصاد الأمريكي. فقد اعتبرت السلطة التنفيذية الأمريكية نمو الصين تهديداً وشراً مطلقاً، على أساس أن الرخاء الصيني من خلال الاشتراكية، هو التهديد الأخطر. فلطالما كان يُنظر إلى التصنيع الاشتراكي على أنه العدو الأكبر للاقتصاد الريعي الذي سيطر على معظم الدول خلال قرن من الزمان، منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وخاصة ثمانينات القرن الماضي. وهو ما أوصلنا اليوم إلى تصادم الأنظمة الاقتصادية القائمة على التصنيع الاشتراكي مع نظام الرأسمالية المالية النيوليبرالية.
كانت التجارة والاستثمارات الأوروبية قبل عاصفة العقوبات الغربية ضد روسيا، قد أمّنت ازدهاراً متبادلاً ومتزايداً بين ألمانيا وفرنسا وبقية دول الناتو الأخرى مع روسيا والصين. كانت روسيا توفر لأوروبا طاقة وفيرة بسعر تنافسي، وكان من المفترض أن تحقق هذه الطاقة قفزة نوعية مع نورد ستريم 2. وكان من المفترض أيضاً أن تكسب أوروبا النقد الأجنبي من هذه الشراكة لدفع فاتورة وارداتها المتزايدة عن طريق مزيج من تصدير المزيد من المنتجات الصناعية إلى روسيا، ومن عوائد استثماراتها في الاقتصاد الروسي، كصناعة السيارات الألمانية والاستثمارات المالية الأوروبية، على سبيل المثال. الآن توقفت هذه التجارة وكذلك الاستثمار الثنائي؛ وهو أمر سيطول ربما لسنوات عديدة على ما هو واضح في ضوء مصادرة الناتو لاحتياطيات روسيا الأجنبية المحتفظ بها بالدولار واليورو والجنيه الاسترليني في المصارف الغربية، وبث مشاعر كراهية روسيا (روسفوبيا) في أوروبا من قبل وسائل الإعلام الدعائية الأمريكية والأوروبية على مدار الساعة.
مقابل توقف تجارتها واستثماراتها في روسيا، تم إجبار دول الاتحاد الأوروبي على شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وهذا سيضطرُها لإنفاق مليارات الدولارات لبناء سعة كافية في الموانئ لإنشاء محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال (Liquified Natural Gas – LNG)، وإعادته مرة أخرى إلى طبيعته الغازية (Regasification)، وهو ما قد يطول حتى عام 2024. وإلى أن يحين ذلك سيؤدي نقص الطاقة إلى رفع سعر الغاز العالمي بشكل حاد، وكذلك النفط بطبيعة الحال. كما ستكثف دول الناتو الأوروبية مشترياتها من الأسلحة من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وسيؤدي هذا الإقبال المذعور على الشراء، لرفع أسعار الأسلحة. كما سترتفع أسعار المواد الغذائية نتيجة النقص الحاد في الحبوب الناتج عن توقف الواردات من روسيا وأوكرانيا اللتين توفران ثلث الاستهلاك العالمي من الحبوب، من جهة، ونقص سماد الأمونيا المصنوع من الغاز من جهة ثانية. فيما ستعمل ديناميكيات الامتيازات الأمريكية الثلاثة التي كسبتها واشنطن من قطع العلاقات الاقتصادية بين روسيا وأوروبا، على تعزيز الدولار مقابل اليورو. فكيف ستعالج أوروبا اختلال موازين مدفوعاتها
(Balance of Payments)؟ أي كيف ستوازن مدفوعاتها الدولية مع الولايات المتحدة؟...الطريق المتوفر – افتراضياً – أمامها، هو مضاعفة صادراتها إلى الولايات المتحدة عملاً بمبدأ التبادلية “Reciprocity” (مبدأ معمول به في مفاوضات منظمة التجارة العالمية يُعنى بتكافؤ تبادل المنافع التجارية). فما الذي ستتمكن من تصديره من السلع والخدمات إلى السوق الأمريكية في ضوء النزعة الحمائية (Protectionism) للاقتصاد الأمريكي، التي كانت بلدان الاتحاد الأوروبي إحدى ضحاياها؟
* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"