محاولات تهويد القدس

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

من أبرز أهداف الحرب التي شنتها إسرائيل على ثلاث دول عربية عام 1967 احتلال القدس؛ إذ بدأت محاولات التهويد الفعلي لها مبكراً، ففي 27 من حزيران/يونيو 1967، أصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً يحمل الرقم 2064 يقضي بضم القدس الشرقية إلى إسرائيل سياسياً وإدارياً، وقامت بحلّ مجلس الأمانة الفلسطينية للمدينة، كما استولت على جميع ممتلكاته وسجلاته، وألغت القوانين والأنظمة العربية، واعتبرت الأنظمة الإسرائيلية هي السارية في القدس، ثم قامت بنقل مكاتب الوزارات والمؤسسات الرسمية الإسرائيلية إلى القسم الشرقي من المدينة.
وفي أغسطس/آب 1980 أصدر الكنيست ما أسماه «قانون الأساس» الذي يعلن أن القدس هي العاصمة الموحّدة والأبدية لإسرائيل. كما نصّ القرار على أن القدس هي مقر رئيس البلاد والكنيست والحكومة والمحكمة العليا الإسرائيلية. فعلياً منذ احتلال إسرائيل للمدينة بدأت سلطات الاحتلال بطرد الفلسطينيين من أحياء القدس الشرقية، وإسكان اليهود فيها، كما تم بناء المستوطنات في داخلها ومن حولها.
لقد كسرت «مسيرة الأعلام» التي نظّمها المستوطنون المتطرفون مؤخراً بدعم من الحكومة كافة الخطوط الحمراء، وتجاوزت الاتفاقيات الدولية، وتخطّت كافة الاعتراضات الإقليمية والعالمية، وشكّلت انعطافة جديدة في محاولات تهويد المدينة، ما شكّل تحدياً كبيراً ومزيداً من التصعيد في المرحلة المقبلة، ما يتطلب وفق مسؤولين فلسطينيين، وقفة جدية ومراجعة حقيقية للمتغيرات الداخلية الإسرائيلية، كما المتغيرات الخارجية أيضاً.
لقد استعانت حكومة الاحتلال بنحو 3 آلاف شرطي وجندي إسرائيلي ونحو 40 ألف مستوطن لرفع الأعلام في شوارع المدينة المقدّسة، كما تسعى إلى توظيف ما جرى في القدس والمسجد الأقصى المبارك لخدمة بقاء الائتلاف الحكومي اليميني الهشّ والآيل للتفكك أطول مدة ممكنة. لقد حاول رئيس الوزراء المتطرف نفتالي بينيت إسناد حكومته بالاستجابة لكافة طلبات المتطرفين خاصة بعدم تغيير مسار المسيرة المعنية.
لذا فإن ظروف ما قبل «مسيرة الأعلام» ستختلف عمّا بعدها؛ إذ ستزيد حكومة الاحتلال من انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين في المدينة، وهي توعدت بمزيد من التصعيد خلال المرحلة القادمة، لذا فإن الأراضي الفلسطينية المحتلة عموماً، مقبلة على مرحلة قد تشهد انفجاراً غير مسبوق في ظل توحد الفلسطينيين بدعم عربي وإقليمي. 
لقد سارعت حكومة بينيت باعتماد مخطط تهويدي ضخم يستهدف هدم زهاء 20 ألف منزل مقدسي وتهجير سكانها أو تحويلها مباشرة للمستوطنين، مثلما اعتمدت إجراءات تسمح بزيادة وتيرة اقتحامات قوات الاحتلال والمستوطنين للأقصى، وذلك في محاولة منها لفرض واقع جديد يناقض الوضع التاريخي للحرم القدسي الشريف.
بيد أن الأحداث في القدس المحتلة، وفقاً لمعظم الصحف الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، لم تثّبت وجود سيادة إسرائيلية على القدس، باستثناء استعراض قوة الاحتلال الأمنية، إلى جانب المظاهر العنصرية للمستوطنين الذين يحاولون اقتحام المسجد الأقصى بشكل شبه يومي. كما أكدت هذه الصحف أن القدس ليست موحدة في الحقيقة، وأن الوحيدين الذين يحتفلون بتوحيدها الجزئي هم الذين يعتمرون «القلنسوات المنسوجة» في إشارة منها إلى أتباع الصهيونية الدينية والحريدية القومية، وهم غلاة المتطرفين اليمينيين الإسرائيليين.
وفي الواقع فإن المتطرفين لم يمتلكوا الجرأة بالمضي قدماً في «مسيرة الأعلام»، لولا الحماية الأمنية المشددة التي وفّرتها لهم قوات الاحتلال، في مواجهة الغضب الفلسطيني العارم، وفق تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين، معتبرين أن إجراءات بينيت في القدس والأقصى لم تسهم في توحيد القدس وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها. وبالنسبة للمؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية، فإن سيادة الاحتلال على القدس ستتحقق وتكتمل عند رفع العلم الإسرائيلي على المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهذا يخالف المواقف التي اعتبرت «مسيرة الأعلام» إنجازاً مهماً يتوجب منحه الأفضلية وتطويره بمزيد من إجراءات التهويد والاستيطان في المدينة المقدسة.
على ضوء ذلك، سنشهد دورياً إجراءات في محاولات تهويد القدس.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"