عادي

بول سيزان.. شاعر الرسم

بساطة آسرة لعين المشاهد
22:36 مساء
قراءة 4 دقائق
اللوحة

الشارقة: علاء الدين محمود
كثير من الرسامين برعوا في تصوير الطبيعة، لكن يحسب للفرنسي بول سيزان «1839 1906»، أنه قد أحدث نقلة كبيرة في تناول المشاهد الطبيعية، حيث عمل على إعادة صياغتها وهو بذلك يكون قد مهد لنظرية الفن التجريدي الحديث الذي ظهر في القرن العشرين، وينتمي سيزان إلى المدرسة الانطباعية، ومن أهم موضوعاته الطبيعة الصامتة، والصور الشخصية «بورتريهات»، والملامح البشرية.

كان لسيزان تأثير كبير على العديد من الحركات الفنية في القرن العشرين من اتباع المدارس الوحشية، والتكعيبية، التجريدية، وغير ذلك، بل ويعتبر في نظر كثير من النقاد رائد الفن الحديث، وذلك لأن أسلوبه كان بمثابة مرحلة انتقالية لمصلحة تغيير كبير في تاريخ الفن، وهو بذلك يعتبر أبرز رواد الفن الحديث بكل أشكاله وتياراته المتعددة.

لوحة «فاكهة وإبريق على الطاولة» التي نفذها سيزان خلال أربع سنوات «1890 1894»، هي من أكثر الأعمال التي تشير إلى ولعه بتناول الطبيعة الصامتة أو الحياة الساكنة، التي تعتبر من أهم مواضيعه الفنية والإبداعية، فذلك الفنان العظيم كان قد اكتشف أنواعاً وضروباً جمالية مختلفة، لكنه ظل على الدوام يعود إلى موضوع الحياة الساكنة التي ولع بها تماماً، وهي نمط إبداعي تم تجاهله كثيراً في تاريخ الفن من قبل النقاد والمؤرخين باعتباره غير خيالي، لكن سيزان أعلن التحدي واهتم بذلك النوع الفني بصورة خاصة، فقد كان يركز على الأشياء اليومية والتفاصيل الصغيرة ويرفع من قيمتها الجمالية، وكان ينجذب بشكل خاص إلى الفاكهة التي قام بتوظيفها في إبراز العلاقة بين الأشياء في الطبيعة والتناغم والتوازن في التكوين الفني والجمالي، فقد كان مفتوناً باستكشاف البصريات في الفن، وكانت لوحاته، في هذا المجال، بمثابة دراسة في الأشكال الهندسية للأشياء، فقد اهتم برؤية المشاهد للوحة عبر الأساليب التي تختلف بين إنسان وآخر والتي تكشف عن تجارب متباينة، بل أعتقد أن المشاهد الواحد يختلف في نظرته للعمل نفسه بين فترة وأخرى، وربما ذلك ما جعل سيزان يقول: «إن الرسم من الطبيعة ليس نسخاً للشيء، بل هو إدراك لأحاسيس الإنسان»

جاذبية

تعتبر لوحة «فاكهة وإبريق على طاولة» واحدة من أبسط اللوحات التي رسمها سيزان، وتلك البساطة، على وجه التحديد، هي أهم العناصر التي تجذب المشاهد لذلك العمل، ومن ثم تحرضه على التأمل فيه وإطلاق العنان لخياله من أجل تكوين فكرة أو مجموعة من الأفكار عنه، فالعمل يعرض استكشاف الفنان للشكل والتوازن والتماثل في الأشياء، وموضوع اللوحة هو طاولة خشبية وضع عليها إبريق خزفي كبير ووعاء فاكهة مكتظ بالتفاح والبرتقال على يسار اللوحة، إلى جانب ستارة معلقة في جدار مزخرف، وقطعة قماش بيضاء مبسوطة على الطاولة مع فواكه مختلفة موضوعة بين ثنايا القماش، والملاحظ أن الإبريق الفخاري قد تم تصويره بطريقة فريدة، على عكس المنظور العادي؛ أي بخلاف ما يمكن أن يراه المشاهد، فقد تم تكييفه مع أشكال الفاكهة وعناصر التكوين الأخرى بصورة عبقرية، وكذلك تم تقديم الألوان الغنية للعناصر مع مجموعة كاملة من الظلال المختلفة، ويسعى الفنان لجعل المشاهد يأخذ انطباعا، عبر توظيف الألوان، بأن الفاكهة دافئة وحيوية، بينما الإبريق يبدو بارداً، ويبرز القماش أكثر واقعية، وذلك يشير إلى مهارة فريدة لسيزان، فقد نفذ العمل عبر ضربات الفرشاة وتوظيف الظلال والألوان بحيث يجعل الناظر يشعر بحجم وثلاثية الأبعاد لكل مفصل في اللوحة.

نظام لوني

اللوحة عبارة عن تكوين فني يركز بصورة أساسية على إبراز تماثل الأشياء، وتكمن عبقريتها في براعة الفنان في توظيف الألوان بحيث تمنح المشاهد إحساساً بأن العمل شديد الواقعية، فنظام الألوان يحتوي على لون محايد إلى حد ما ويتكون من الأبيض والأصفر وفي بعض الأماكن ألوان حمراء، ويبدو أن اللوحة مقسمة أفقياً، فمن الأسفل يمكن للناظر أن يرى بعض العصارة من الألوان والتباين الدافئ في حين أن الأجزاء العلوية واليسرى لها جو أكثر برودة، وبالكاد يمكن للناظر أن يرى أن هنالك انحناءات في اللوحة، بحيث تصبح الصورة بأكملها واقعية قدر الإمكان.

فلسفة

تعبر اللوحة عن رؤية وفلسفة سيزان في الفنون، حيث كان غير راضٍ عن المفهوم الانطباعي القائل بأن الرسم هو في الأساس انعكاس للإدراك البصري، وسعى سيزان إلى جعل ممارسته الفنية نوعاً جديداً يؤكد المفهوم الخاص به، حيث إن اللوحة نفسها تأخذ دور الكاميرا بحيث يتم تسجيل الأحاسيس البصرية للفنان، وذلك ما يلاحظه المشاهد في لوحة «إبريق وفاكهة على الطاولة»، حيث يبدو أن ضربات الفرشاة البسيطة نفسها تتحدث شعراً بصرياً بغض النظر عن موضوع اللوحة، حيث يريد الفنان أن يشير إلى الحوارية والتناغم والانسجام بين المفردات الموجودة في العمل الفني، فاللوحة هي ضمن الأعمال التي عبرت عن قطع سيزان مع طرائق الانطباعيين التقليديين خاصة في ما يتعلق بمعالجة المنظور والضوء والظلال، فقد رفض سيزان أن يقلد الطبيعة التي يرسمها وبدأ يبحث عن حلول جديده مبتكرة للوصول إلى أهدافه واستطاع في النهاية أن يرى في العناصر الطبيعية التي يرسمها أشكالاً هندسية بدلاً من الأشكال الطبيعية وكان يملأ هذه المساحات بالألوان المختلفة، وذلك ما فعله في لوحة «فاكهة وإبريق على الطاولة»، والعديد من الأعمال الأخرى.

أسلوب

كان سيزان من أبرع الفنانين الذين تناولوا الطبيعة الصامتة وأفضلهم على الإطلاق وقد استخدم في ذلك أسلوبية مختلفة، فقد لجأ إلى توظيف خطوط حادة، وأشكال هندسية، وألوان غنية، وهذا ما ميز سيزان عن غيره في رسم الطبيعة الصامتة، لذلك نلاحظ أن الفاكهة في هذه اللوحة، وعدد من الأعمال الأخرى، تختلف بعض الشيء عن ما هو في الطبيعة، حيث تتخذ شكلاً هندسياً، ومن الطرائف أن أحد النقاد انتقد شكل التفاحة في لوحات سيزان، وذلك لأنها تأخذ شكلاً هندسياً بدلاً من الطبيعي، فكان رد سيزان عليه: «تفاحتي ليست للأكل»، وهو رد عميق حيث إن التفاحة وبقية الفاكهة في لوحاته تعبر عن رؤيته ورفضه لرسم الطبيعة كما هي في الواقع، وهي بذلك لن تضر أحداً لأنها في الأصل ليست للأكل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"