عادي

حب الوطن.. فريضة

23:25 مساء
قراءة 5 دقائق

القاهرة: بسيوني الحلواني
يزعم المتطرفون وبعض أدعياء الثقافة الدينية أن الإسلام لا يدعم وطناً له حدود، وأن مشاعر المسلم يجب أن تكون سابحة في وطنه الإسلامي الكبير، وأن الدفاع عن الإسلام يتقدم الدفاع عن الوطن، وغير ذلك من الشعارات البراقة التي تستهدف «قتل الشعور الوطني». هل الإسلام بالفعل ضد الوطنية؟ وهل الوطن الذي ينتمي له المسلم لا حدود له؟ وهل الدفاع عن الوطن ضد أعدائه الذين ينتمون إلى الدين نفسه يدخل في نطاق الحروب الظالمة؟ إشكاليات كثيرة يروج له بعض أصحاب التيارات والثقافات المناوئة للوطنية في عالمنا العربي ناقشناها مع عدد من العلماء والمفكرين.

1
د. علي جمعة

يؤكد د. علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر السابق، أن مثل هذه الأفكار الخبيثة من صنع جماعات التطرف الديني التي تستهدف مسخ الهوية الوطنية في نفوس بعض الشباب ليسهل عليها تجنيدهم في أعمال عدائية ضد الوطن.

ويضيف: الإسلام عُني عناية كبيرة بتنمية الشعور الوطني، لربط الإنسان بالوطن الذي ولد ونشأ وتربى فيه، فالولاء الوطني جزء لا يتجرأ من الولاء الديني، وهو الذي يوفر للوطن كل فرص التنمية والازدهار، وقتل هذا الشعور داخل الإنسان يعرض الوطن لمشكلات وأزمات، وشاهدنا كيف ارتكب بعض الشباب في عدد من الدول العربية جرائم ضد أوطانهم نتيجة مسخ عقولهم بأفكار ضدها، وزعمهم اليأس من إصلاح أحوالها، وهذه شعارات يراد بها باطل، فقد تكون في أي وطن مظاهر فساد، أو معاناة من مشكلات وأزمات اقتصادية واجتماعية، لكن كل ذلك لا يدفع إنساناً إلى الكفر بالوطن، والتآمر عليه، والتحالف مع أعدائه.

ويوضح جمعة خطورة ترك مثل هذه المعاني السلبية للوطن تتنامى في نفوس بعض الشباب، مطالباً بوجوب التصدي لها بالحقائق والنصوص الدينية التي تبرز اهتمام الإسلام بالوطنية، وتنمية الشعور الوطني داخل كل مسلم، وجعل الدفاع عن الأوطان ضد أي عدوان خارجي من الواجبات الدينية والوطنية التي لا يجوز التفريط فيها، وذم كل من يتقاعس عن أداء هذا الواجب، واعتباره خائناً لدينه ووطنه وأمته.

ارتباط

يوضح د. علي جمعة أن الانتماء للوطن في نظر الإسلام لا يعني العصبية القبلية التي نراها في سلوك البعض، والتي قد تؤدي إلى نشوب حروب ومواجهات يرفضها الإسلام ويدينها، بل هو يعني أن يرتبط الإنسان بالمكان الذي ولد ونشأ فيه، وأن يعمل لصالحه، مع إيمانه بأنه ينتمي لوطن أكبر يفرض عليه أيضاً أن يعمل لصالحه بعد العمل لوطنه، فالشعور القومي يأتي بعد الشعور الوطني، ومن ليس فيه خير لوطنه الصغير صاحب الفضل الأول عليه، فلن يكون له خير في وطنه الكبير.

ويضيف: ضعف الولاء للوطن من صنع الجماعات المتطرفة التي لا تؤمن به، ولا توليه أية أهمية، ولذلك يعتنق بعض الشباب فكرها المتطرف، ومن هنا يجب التحرك لإنقاذهم من براثنها، وبذل الجهد لربطهم من جديد بأوطانهم..

ويوضح مفتي مصر السابق أن حرص الإسلام على تغذية الشعور الوطني يمر بمراحل، فهو يبدأ ببيئته الصغيرة وهي الأسرة، وكلما كان شعور الإنسان تجاه أسرته جيداً كلما تزايد حبه لها وارتباطه بها، ثم شعوره تجاه بيئته الأوسع وهي العائلة، وهو شعور يجب أن تغلفه الرحمة والتعاون وصلة الرحم، ثم يأتي شعوره تجاه وطنه ليجسد وطنيته واعتزازه بالبلد الذي ينتمي إليه.. وبعد ذلك هو مطالب أيضاً أن يعمل لصالح أمته الكبرى بما يقدر عليه، فالمسلون جميعاً أبناء أمة واحدة، لكن هذا الشعور القومي العام لا ينبغي أبداً أن يكون على حساب مثيله الوطني.

قيمة عظيمة

1
د. عبد الله النجار

د. عبد الله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر، يصف الانتماء للوطن بقيمة عظيمة يغرسها الإسلام وينميها في نفوس كل أتباعه. ويقول: الإسلام يغرس فينا حب أوطاننا والاعتزاز بها والدفاع عنها، والوقوف في وجه كل المعتدين عليها. ولذلك عد الإسلام كل من يموت دفاعاً عن وطنه شهيداً. وبلغ حرص الإسلام على هذه القيمة العظيمة أن جعل حب الوطن فوق النفس والمال والأهل.

ويضيف: الإسلام أمر كل مسلم بأن يحفظ نفسه ونفس غيره، وجعل التعدي على النفس بالأذى كبيرة، فالنفس في الإسلام مصونة، والدماء محرمة، ومع ذلك فإن حفظ النفس رغم قداستها وظهور أمر حرمتها إذا تعارض مع حب الوطن والدفاع عنه، فإن على الإنسان أن يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله والدفاع عن وطنه، وهذا المعنى واضح في قول الحق سبحانه وتعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم».

لذلك كان الدفاع عن الوطن في نظر الإسلام واجباً لا يجوز التخلي عنه، وهو ضريبة الحب له، فإذا استدعى الأمر ذلك، وتعرض الوطن للعدوان ضد أي قوة معتدية يصبح الدفاع عن الوطن جهاداً واجباً على كل أبناء الوطن. وفي هذه الحالة تهون كل الحقوق الخاصة مهما بلغت درجة قداستها، بل حتى ولو كانت تمس علاقة الرجل بزوجته.

ويذكر د. النجار أن الإسلام ارتقى بعلاقة الإنسان بوطنه، فلا حق لأحد يفوق حق الوطن، ولا حب لشيء فوق حبه، ولا طاعة لمخلوق في سبيل رد الاعتداء عنه، ولذلك كان لازماً على الإنسان أن يجود بدمه، وأن يبذل نفسه طائعاً محتسباً في سبيل الله دفاعاً عن الوطن الذي ينتمي إليه. ويقول: حب الوطن في الإسلام ليس مجرد شعور إنساني يقتصر على ميل القلب دون أن يتحول إلى سلوك على الأرض، فالمسلم مطالب بترجمة هذا الشعور إلى سلوك عملي يؤكد اعتزازه بوطنه وعدم تقصيره في واجبه.

الشعور الوطني يقلق المتطرفين

د. محمد الضوينى، أستاذ الشريعة الإسلامية ووكيل الأزهر، يؤكد أن الانتماء الوطني قيمة يدركها كل مسلم يعرف تعاليم دينه جيداً، والفتور الوطني الذي أصاب بعض الشباب في بلادنا العربية من صناعة المتطرفين، مشدداً على أن كل تعاليم ديننا العظيم ترسخ الشعور الوطني، وتفرض على الإنسان أن يكون مرتبطاً بوطنه يعمل لصالحه، ويسعى لازدهاره بقدر طاقته.

ويضيف: من الخطر ترك جماعات التطرف تلعب بالشعور الوطني لشبابنا، فهي تستهدف تغذيته من خلال أكاذيب لتستطيع تجنيدهم ضد أوطانهم، ولذلك شاهدنا من يفجر نفسه، ويقتل أبرياء، ويتوهم هؤلاء، للأسف، أنهم بهذا الإجرام يدافعون عن الدين والوطن.

ويشدد على أن مردود الشعور الوطني الإيجابي على الوطن والمواطن كبير للغاية، فالولاء له والاعتزاز به يدفعان الإنسان إلى بذل كل طاقته لرقيه الذي سينعكس بالتأكيد على كل فرد فيه.

لذلك، يشدد د. الضوينى على تنمية الولاء الوطني باستمرار والعمل على إزالة الرواسب النفسية لدى الشباب المحبط، ولن يتم ذلك بالشعارات، بل بالعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، ومواجهة كل صور الفساد والمحسوبية، وبث الأمل في المستقبل في نفوس الشباب. ويقول: التربية الوطنية الصحيحة لأبنائنا تعني أن نربيهم أولاً على تعاليم الإسلام، وأن نوفر لهم حياة كريمة تربطهم بالوطن.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"