الصندوق

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

في سبعينيات القرن الماضي، برز مفهوم «التفكير خارج الصندوق»، وأصبح مصطلحاً يُستخدم على نطاق واسع في مجال علم النفس، والفنون الإبداعية، والأعمال التجارية، وعدد لا يحصى من المجالات.
وبرغم أن اتباع منهجية التفكير هذه مفيدة أحياناً، إلا أن المشكلة في التعامل مع عقلية «التفكير خارج الصندوق»، هي الاعتقاد الدائم بأن هناك صندوقاً عليك الانطلاق منه بحثاً عن سبل نجاح مبتكرة.
ورغم أن الافتراض السابق المتمثل بوجود صندوق كنقطة بداية لا يبدو ضاراً للوهلة الأولى، بيد أنه يخلق نقطة مرجعية تحدّ من الاحتمالات والبدائل التي يمكننا أن نأخذها بعين الاعتبار. لهذا السبب، يقول مثل إنجليزي شهير: «لن تجد أفضل الأفكار على الإطلاق، ما لم تدرك أنه لا يوجد صندوق من الأساس».
في الجوهر، يتمحور الابتكار حول حل المشكلات المستعصية. ومن هنا جاءت فكرة «التفكير خارج الصندوق» كمنهجية لإيجاد حلول مبتكرة للتحديات والمستجدات، إلى درجة أن العبارة أصبحت أشبه بتعويذة متداولة في شتى أرجاء عالم الأعمال.
لكن، عندما نحاول كل مرة التفكير خارج الصندوق، فإن ذلك يخلق فخاً ذهنياً غير مقصود يمنعنا من رؤية ما قد يكون ممكناً ومتاحاً من حلول أمامنا، مدفوعين برغبة في الإتيان بحل فريد، بينما يمكن لحل تقليدي بسيط أن ينقذ الموقف.
لتقريب الصورة أضرب المثال الآتي: تخيل على سبيل المثال أن شخصين يريدان الذهاب من مدينة نيويورك إلى ميامي، وأننا طرحنا على مجموعة من الناس سؤالاً مفاده: «ما أسرع طريقة للوصول إلى ميامي؟»، وهنا يبدأ الأفراد في طرح حلول متنوعة تأخذ بعين الاعتبار أوقات الزحام، وحركة المرور، وأيام الإجازة، وربما احتمال الذهاب في الليل حيث يقل عدد السيارات؛ لكنها جميعاً تنطلق من افتراض خاطئ وهو أن السيارة هي نقطة البداية، والتي تمثل مجازاً الصندوق الذي يعدّ نقطة انطلاقنا في التفكير، بينما في الحقيقة أن أسرع طريقة للوصول إلى ميامي، هي القيادة إلى المطار، ثم ركوب الطائرة باتجاه ميامي.
ليس هذا فحسب، بل إن محاولة التفكير خارج الصندوق كلما اعترضتنا مشكلة، تجعلنا نحاول كل مرة الالتفاف حول الحل البديهي، في محاولة لاستحداث حلول استثنائية. مثال ذلك طالب يتوجب عليه الدراسة قبل الامتحان، لكن ضجره يدفعه لمحاولة إيجاد حلول سحرية تجعله يحب المذاكرة، بدلاً من الحل البسيط المتمثل في إلزام نفسه بالدراسة بصرف النظر عن شعوره تجاه هذا الفعل.
لهذه الأسباب كلها، لا تفترض دوماً أن هناك صندوقاً يجب أن تفكر خارجه، بل افتح عينيك ومداركك على جميع الحلول الممكنة مهما كانت تبدو بسيطة أو تقليدية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"